تخطى الى المحتوى

هل تستحق الحياة أن نعيشها رغم التخبيص في الاختبار؟

قصة من ذاكرة المرحلة الثانوية.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
2 دقائق قراءة
هل تستحق الحياة أن نعيشها رغم التخبيص في الاختبار؟
Photo by kyo azuma / Unsplash

في إحدى آخر أيام الاختبارات النهائية في الصف الثالث الثانوي (قبل قرابة ثلاث وعشرين عامًا)، خرجتُ من المدرسة إلى الشارع برفقة بعض أصدقائي بعد أن انتهينا من الاختبار الأول، منتظرين الاختبار الثاني الذي كان سيبدأ بعد ساعة. وقبل أن نتجه إلى «البوفيه» لتناول ساندويتش البيض للإفطار، ووسط ازدحام الشباب المدخنين والدوافير الذين يراجعون ندمهم على بعض الأخطاء التي ارتكبوها في الامتحان، ظهرت سيارة مسرعة يركبها أحد الطلاب —من فصل آخر غير الذي كنتُ فيه— وهو يفحّط ويعيد اللفة والسرعة الجنونية ذهابًا وإيابًا في شارع المدرسة الضيق، حتى قفز أحد الشباب على طريقه محاولًا إيقافه. وبالفعل، ارتبك السائق وأوقف السيارة بتفحيطة كادت تودي بحياتهما، ليخرج الأخير من السيارة وسط صوت أغنية صاخبة لماريا كاري مشغّلة في مسجّل السيارة، وهمّ بالصراخ على الولد الذي قفز لإيقافه. فاجتمع حوله جمعٌ من الشباب يحاولون تهدئته وهو في قمة الانفعال والتوتر.

لاحظتُ وأنا أقف متفرجًا أن وجه الولد كان غارقًا في الدموع. ظننتُ أنه مثل الكثيرين؛ قد خبّص في اختبار الفترة الأولى، وأن ما قام به من تصرفات جنونية ما هو إلا ردة فعل هستيرية نتيجة أجوبته التعيسة. وأذكر في هذا الصدد أنني في إحدى تلك الاختبارات، وأنا جالس أحل ورقة الامتحان، سمعتُ فجأة صوت أنين حاد في القاعة لأحد الطلاب، تبعه بكاء حارق وهو يقرأ ورقة الامتحان: «مستقبلي ضاع.. مستقبلي ضاع!» في إشارة إلى صعوبة الأسئلة التي لم يذاكر دروسها كما يجب، كان بالنسبة لي موقفًا غريبًا ومضحكًا، أكثر منه مثارًا للتعاطف بصراحة!

عودة للولد المفحّط، بعد بعض الهدوء، قررتُ —دون مقدمات— الذهاب للجلوس معه وحدي في سيارته. طلبتُ منه أن يخفض صوت ماريا كاري (وأخبرته بالمناسبة أنها المغنية المفضلة لي وقتها)، وسألته: «ما الحكاية؟». أجابني بأن الدنيا لا تستحق أن يعيش الإنسان فيها، وأخبرني أنه وسط محاولاته الجنونية في التفحيط وقيادته المتهورة كان يفكر جديًا بالانتحار! حاولتُ بطبيعة الحال تهدئته، مستحضرًا ما هو موجود من مخزون الحكمة القليل في ذلك السن، وسألته إن كان هذا الفيلم الذي عمله بسبب سوء أجوبته، وإن كان كذلك فـ«الدنيا ما تستاهل!» وقصدتُ طبعًا أن الدنيا لا تستحق أن نفعل شيئًا بأنفسنا من أجل اختبار مادة واحدة، وليس العكس.

كلما شرعتُ بذكر أهله الذين سيعانون من ذهابه، ومستقبله المرصّع، وغيرها من الأمور التي يستحق الإنسان أن يعيشها، أخذني إلى سكة أخرى محاولًا إقناعي بأن الموت هو الخيار الأفضل للهروب من هذه التعاسة. ولأني لا أذكر جديًا كل تفاصيل النقاش، فقد استوعبتُ بعد بعض الوقت أن مهمتي قد نجحت على ما يبدو، ليهدأ سره وقرر النزول معي للفترة الثانية من الاختبار.

عندما عدتُ إلى أصدقائي، تهكموا عليّ بحجة أن هذا الولد عبارة عن «دراما كوين»، وهو دائمًا ما يحاول جذب الانتباه بوسائل مشابهة، أو حاولوا إخباري بالعربي: «سيبك منه». كانت حجتي أن ما رأيته لا يجب أن يُترك للصدفة أو للحظ. فما شهدناه كان بالفعل دراميًا، وبلا شك لا يجب أن يُترك الحال كما هو، حتى وإن كان هذا الشاب مهووسًا بحبه لجلب الانتباه.

لا أعتبر هذه القصة بطولية بأي شكل، لكنني أعرف يقينًا أن الكثيرين يحتاجون شيئًا من الإنصات، حتى لتفاهاتهم! فما بالنا بالإنصات للمصائر؟

المفارقة الظريفة التي علمتُ بها لاحقًا، أن هذا الشاب كان قد حصل على معدل أفضل مني بمراحل في اختبارات المرحلة الثانوية، ولا أعلم اليوم أين هو وماذا يفعل، بل إنني لا أتذكر حتى اسمه. وأتمنى أن يكون قد ملأ السمع والبصر بإنجازاته. ولا أعلم إن كان ما حملته من عدم اكتراث للاختبارات النهائية -سامحني الله عليه- سيكون أفضل إن كُنت أكثر حرصًا على العلامات وحالتي النفسية.

شؤون اجتماعية

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

كيف تجعل الغرباء يحبوك؟

إن كان يهمك الأمر

كيف تجعل الغرباء يحبوك؟
للأعضاء عام

الأصح بدلًا من الأسهل

في دفع النفس لتحمل المسؤولية والفرح.

الأصح بدلًا من الأسهل
للأعضاء عام

كيف يأكل الحزن بطوننا؟

تأمل بعد اشتعال القولون العصبي من أخبار الحرب.

كيف يأكل الحزن بطوننا؟