تخطى الى المحتوى

مفتاح الرحمن

مقالة ضيف: قراءة في بنية البسملة

عمر وليد عاشور
عمر وليد عاشور
مفتاح الرحمن
Photo by Ashkan Forouzani / Unsplash

مدخل

ليست البسملة مجرد افتتاح يتكرر في مطالع السور، بل يمكن قراءتها بوصفها مفتاحًا يلخص البنية المفهومية للقرءان كله.

تبدأ معظم سور القرءان بعبارة قصيرة مكثفة:

بسم الله الرحمن الرحيم

لكن هذه الكلمات القليلة يمكن النظر إليها بوصفها أكثر من مجرد افتتاح؛ فهي تقدم للقارئ مفتاحًا مفهوميًا يختصر البنية الكبرى لموضوعات الكتاب.

وكأن البسملة تضع بين يدي القارئ، قبل الدخول في السورة، خريطة موجزة للمحاور الكبرى التي يدور حولها الخطاب القرءاني. 

فإذا تأملنا ترتيب الأسماء الثلاثة في البسملة سنجد أنها ترسم خريطة مختصرة لثلاثة محاور أساسية في القرءان:

الوحدانية

الربوبية والسنن

الأحكام والحدود

وبذلك تصبح البسملة أقرب إلى فهرسة مفهومية للرسالة القرءانية.

أولاً: الله — محور الوحدانية

يتصدر لفظ الجلالة — من الجذر (أ ل هـ) — البسملة بوصفه المركز الذي تعود إليه المعاني التي بعده.

ويرتبط لفظ الإله في اللسان العربي بمعنى التوجّه والالتجاء؛ فالإله هو الجهة التي تتجه إليها القلوب وتنعقد حولها الإرادة.

وبذلك يختزل اسم الله المحور الأول للقرءان كله:

وحدانية الله، أي الإقرار بالمصدر الواحد للوجود والسلطان.

ومن هنا تبدأ البسملة بإقرار المركز الذي تنطلق منه بقية المعاني.

ثانياً: الرحمن — النظام السنني

يأتي بعد ذلك اسم الرحمن.

الجذر: (ر ح م)، ومفهومه يدل على الرعاية والاحتواء وحفظ الكيان.

لكن صيغة فعلان غالبًا ما توحي بالفيض والاتساع، وهو ما يجعل لفظ الرحمن يشير إلى الرحمة في بعدها الواسع.

ومن هنا يمكن فهم ارتباط هذا الاسم بالسنن التي يقوم عليها الوجود؛ فالكون يسير وفق قوانين وحدود دقيقة تحفظ توازنه.

ثالثاً: الرحيم — الأحكام وحدود الهداية

يأتي بعد ذلك الاسم الثالث:

الرحيم

وهو من الجذر نفسه لكنه بصيغة فعيل التي تدل غالبًا على الصفة الثابتة ذات الأثر المباشر.

فإذا كان الرحمن يشير إلى الرحمة في مستوى النظام العام، فإن الرحيم يتجلى في مستوى العلاقة المباشرة مع الإنسان.

ومن هنا يمكن ربط هذا الاسم بمحور الأحكام والحدود في القرءان؛ فالتشريعات يمكن فهمها بوصفها امتدادًا رحيمًا يحفظ المجتمع داخل النظام الذي تقوم عليه الحياة.

فالحدود في هذا السياق ليست مجرد عقوبات، بل آليات تنظيم تحفظ التوازن الذي تقوم عليه الرحمة.

ملاحظة بنيوية في البسملة

تتكون البسملة من أربع كلمات:

بسم الله الرحمن الرحيم

لكن الكلمة الأولى ليست اسمًا مستقلًا، بل أداة إدخال للفعل في إطار الاسم الإلهي.

 فتصبح البنية المفهومية كالتالي:

بسم → إعلان المرجعية

الله → مصدر السلطان

الرحمن → نظام التدبير

الرحيم → أثر التدبير في الهداية والتشريع

واللافت أيضًا أن الصفتين اللتين تليان اسم الله مباشرة في أول جملة من الكتاب هما صفتان من الجذر نفسه: (ر ح م).

وكأن النص يعلن منذ الجملة الأولى أن البيئة التي يعمل داخلها التدبير الإلهي هي الرحمة.

الرحمن — علامة القرءان

إذا انتقلنا إلى مطلع سورة الرحمن وجدنا افتتاحها اللافت:

الرحمن

علّم القرءان

خلق الإنسان

علّمه البيان 

واللافت هنا أن تعليم القرءان ذُكر قبل خلق الإنسان نفسه.

فهل علّم القرءان في هذا السياق تعني التعليم بالمعنى التعليمي المباشر، أم هي إشارة إلى العلامة والأثر الذي تفرّد به هذا النص الحكيم؟

فإن كان المقصود التعليم، فالترتيب الذي قد يتبادر إلى الذهن عادة هو: خلق الإنسان، ثم تعليمه البيان، ثم تعليمه القرءان.

لكن النص يقدّم تعليم القرءان على ذلك كله. هذا التقديم قد يوحي بأن القرءان ليس مجرد معرفة لاحقة لوجود الإنسان، بل هو جزء من النظام الذي يقوم عليه الوجود نفسه.

ومن هنا يمكن قراءة قوله تعالى:

الرحمن * علّم القرءان

بوصفه إعلانًا عن البصمة المصدرية لهذا الكتاب؛ فالقرءان يظهر في هذا السياق بوصفه البيان اللساني للنظام الذي يحكم الخلق، وقد خُتم ببصمة الرحمن.

وقفة تأملية: العذاب داخل نظام الرحمة

ومن الملاحظ في الاستعمال القرءاني أن اسم الرحمن قد يُسند إليه العذاب كما في قوله تعالى:

«يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا» (مريم ٤٥).

بينما لا نجد هذا الإسناد مع اسم الرحيم.

وقد يدفع هذا التأمل إلى فهمٍ أعمق للفارق بين الاسمين.

فالرحمن يشير إلى النظام الذي يقوم على حدود وتوازن؛ فإذا اختل هذا التوازن ظهر أثر ذلك في صورة عذاب. 

أما الرحيم فيرتبط غالبًا بالهداية والنجاة واللطف بالمؤمنين.

وبذلك يمكن النظر إلى العذاب نفسه بوصفه جزءًا من آلية حفظ النظام الذي تقوم عليه الرحمة.

خاتمة

بهذا المنظور يمكن قراءة البسملة بوصفها مفتاحًا مفهوميًا للقرءان:

الله → محور الوحدانية

الرحمن → النظام السنني وعلامة القرءان

الرحيم → الأحكام والحدود التي تحفظ الإنسان داخل هذا النظام

ومن هنا تصبح البسملة أكثر من مجرد افتتاح، بل خريطة مختصرة لموضوعات الكتاب كله. 

كما يمكن فهم تكرارها في افتتاح السور بوصفه تذكيرًا دائمًا بالقواعد الكبرى التي يقوم عليها الخطاب القرءاني:

وحدانية المصدر، وانتظام الكون، ورحمة التشريع.

عن الكتابة

عمر وليد عاشور Twitter

معماري وأخصائي تصميم، مؤسس دار عمر عاشور للثياب، وعضو مؤسس في جمعية الأزياء السعودية. مهتم بقضايا اللسان العربي وتحولات المشهد الثقافي.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

عندما تكتشف أن خالك رئيسًا لصحيفة رفضت كتاباتك

درس جديد للنظر إلى حياتنا من بعيد، ونحمد الله على نِعمه

عندما تكتشف أن خالك رئيسًا لصحيفة رفضت كتاباتك
للأعضاء عام

عندما تكتب مرة واحدة فأنت لست كاتب

دعوة للتوّقف عن طرطشة الألقاب.

عندما تكتب مرة واحدة فأنت لست كاتب
للأعضاء عام

الكتاب الحقير: لماذا يصبح جلد الكاتب أرق كلما زاد نجاحه؟

حلقة بودكاست جديدة

الكتاب الحقير: لماذا يصبح جلد الكاتب أرق كلما زاد نجاحه؟