هل الصين منعزلة ثقافية بشكل تام أم جزئي؟
تعقيبًا على مقالة الصين السابقة وتعليقًا من أحد مثقفيها.
حصلت على تعقيب من قِبل السيد الكريم «ما يونغليانغ» على مقالتي المطولة التي كتبتها عن الصين مؤخرًا. وخصوصًا في تأملي الرابع الذي كان يدور عن ملاحظتي الشخصية حول الانعزال الثقافي الذي يعيشه الصينيين، رغم انفتاحهم الاستهلاكي العالي على المنتجات الغربية. وقد كتب لي عبر (X):
شكرًا جزيلًا لكم على اهتمامكم ببعض القضايا العميقة داخل الثقافة الصينية. أرى أن ملاحظاتكم عميقة ومهمة، وقد دفعتني إلى التفكير في هذا الموضوع من زاوية أخرى.
بصفتي صينيًا أتعلم اللغة العربية ولديّ اهتمام بالثقافة العربية، أود أن أضيف ملاحظة من منظور القارئ الصيني. تتميّز الصين بظاهرة ثقافية ولغوية واضحة، وهي أن عددًا كبيرًا من الكتب والمؤلفات المهمة الصادرة في الغرب تُترجم سريعًا إلى اللغة الصينية، ثم تدخل من خلالها إلى منظومة المعرفة والثقافة في المجتمع الصيني. صحيح أن عدد الصينيين الذين يقرؤون الكتب الغربية بلغاتها الأصلية، كالإنجليزية وغيرها، ليس كبيرًا مقارنةً بعدد السكان، لكن هذا لا يعني أبدًا أن القارئ الصيني بعيد عن الفكر الغربي.
بل على العكس، فإن كثيرًا من أهم المؤلفات الغربية في التاريخ والأدب والفلسفة والاقتصاد وإدارة الأعمال وتطوير الذات وغيرها، تُترجم إلى الصينية وتُنشر على نطاق واسع، ولها جمهور كبير من القراء في الصين. وفي الوقت نفسه، أعتقد أن الصين شهدت خلال العشرين عامًا الماضية ظاهرة أخرى تستحق الاهتمام.
فبعد عقود من الاستفادة من المعارف والنظريات الغربية، ظهر في الصين أيضًا عدد متزايد من الكتّاب والباحثين ورواد الأعمال والمفكرين المتميزين الذين بدأوا، انطلاقًا من تجربة الصين التنموية والاجتماعية والاقتصادية الخاصة، في تقديم أفكار ونظريات وأطر معرفية جديدة. ولا يعني ذلك أن هذه الأفكار منفصلة تمامًا عن منظومة المعرفة الحديثة التي تأثرت إلى حد كبير بالفكر الغربي، لكنها أصبحت أكثر ارتباطًا بالتجربة الصينية نفسها، ولذلك قد تكون أحيانًا أكثر قدرة على تفسير بعض المشكلات التي تواجه المجتمع الصيني وتقديم حلول لها.
ولهذا، بالنسبة إلى كثير من القراء الصينيين، لا توجد بالضرورة ثنائية بين «الفكر الغربي» و«الفكر الصيني». فالصينيون لا يقللون من قيمة العلماء والمفكرين الغربيين ونظرياتهم المتميزة، وفي الوقت نفسه يولون اهتمامًا كبيرًا للكتّاب والعلماء ورواد الأعمال والمفكرين الصينيين الذين ينتجون معرفة نابعة من واقع الصين وتجربتها الخاصة.
وفي رأيي، عندما يكون مجتمع ما قادرًا على الاستمرار في استيعاب المعرفة من العالم، وفي الوقت نفسه يبدأ في إنتاج معرفة جديدة انطلاقًا من تجربته الخاصة، فإن هذه بحد ذاتها ظاهرة ثقافية جديرة بالاهتمام.
وهنا تعليقي:
بلا شك أن تجربتي قاصرة في التأكد ما إن كان الصينيون فعلًا يقتنون الكُتب الأجنبية ويقرؤونها أم لا؛ وسأميل الآن إلى رأي السيد الكريم يونغليانغ، بصفته صينيًا ومطّلعًا ثقافيًا متنقلًا بين بلده وبين البلاد الأخرى ويستطيع قياس الأمر.
ومع هذا، في الحقيقة، لم ألحظ مثل بقية المكتبات حول العالم بروزًا واضحًا لتواجد الكُتب باللغة الإنجليزية، ربما لأنَّ نسبة من يتقنونها في الصين لا تُذكر، أو ربما لأنه من المُرجّح أن تصميم أغلفة الكُتب المُترجمة من الإنجليزية إلى الصينية سيكون مختلفًا عن الطبعة الأصلية، وهذا ما سيجعل فحصي وتفريقي للعناوين صعبًا.
وهناك نقطتان بهذا الخصوص..
الأولى: رغم أنني لن أتمسّك بنفس ثقة رأيي الذي كتبته في مقالتي السابقة وتأملي الرابع، لكنني سأقول بأن المراقب العادي سيعرف أن هناك بالفعل انعزالًا ثقافيًا (أو شبه انعزال ثقافي) في الصين، والكُتب أحدها، فكوننا أصلًا نخوض في هذا النقاش الآن، مع استقبالي لتعليق «تصحيحي»، بهذا يعني وجود لبس كبير أو شبهة في موضوع الانفتاح الثقافي.
نستطيع أن نبقى الليل بطوله وأنا أقول «بأنني لم أرَ كُتبًا غير صينية»، ليرد شخصٌ آخر «يوجد، لكنك لم تبحث جيدًا، أو أنك لا تعرف إن كان الكتاب الذي أمامك أجنبيًا أم صينيًا بسبب حاجز اللغة».
كما أن أهم ما شكّل ثقافة العالم المعاصر غير موجود في الصين ببساطة! أتحدث عن التواصل الاجتماعي بمختلف مواقعه. وأعتقد أن نقاشنا لا يجب أن يخرج عمّا إن كان هناك انعزال أم لا، بل الاستفهام عن حجمه «هل هو انعزال تام أم جزئي؟».
نقطتي الثانية: أنني في الحقيقة لا أجد في أمر الانعزال أي عيب بصراحة! فإن كان هذا الانعزال موجودًا بالفعل – كبيرًا كان أم صغيرًا – وإن كان سيقود الصين أو غيرها من الدول إلى هذا التطور الهائل، وجودة حياة أعلى، ورفاه اقتصادي غير مسبوق، فأهلًا به طبعًا، وطز في الانفتاح الثقافي.
فعلى قدر ما أعطته الثقافة الغربية لبقية العالم، على قدر ما سمّمته. وأعتقد جديًا أن أيَّ ثقافة محلية إن استطاعت تغطية أهم تحديات الإنسان المعاصر في مختلف مجالاته فإنه ببساطة لا يحتاج إلى الثقافة الغربية، إلا في تقاطعات بسيطة وهي التي تخلق مساحة مشتركة وأمور ترتقي بحياة الإنسان، أما ما دون ذلك – مثل الثقافة الأمريكية في التعاطي مع العلاج النفسي – فسلة المهملات سيكون مكانًا أفضل لها.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.