رحلة الصين
تأملاتي الشخصية من زيارتي الأولى.
زرت الصين أخيرًا.
كانت هذه الرحلة –على خلاف ما هو متوقع لمن يسمع عنها ممن حولي— بهدف السياحة، وليست لتأثيث منزل، أو اكتشاف مصانع وفرص تجارية، وبالتأكيد ليست دعوة خاصة من شخص أو جهة ما. هذه المقالة من المقالات القليلة التي احترتُ في كتابتها، فلا أود أن تكون نصائح عن السفر إلى الصين، أو تقريرًا عامًا ومفصّلًا عن الرحلة، لأن كلا الأمرين مطفوحان على اليوتيوب وإنستغرام. وإن قمتَ مثلي بالقليل من البحث عمّا يخص الصين في حسابات التواصل، ستُسلّمك الخوارزميات دون رحمة، وتُظهر لك الغث والسمين والمفيد لكل ما يتعلق بهذا البلد. وهنا فضّلت أن أوثّق تأملاتي وملاحظاتي الخاصة في مقالة واحدة، لعلها تكون مرجعًا مفيدًا لمن يريد أن يتعرّف.
تأملي الأول كان في تفحّص تفاصيل المدن. فمثل هذه الدولة المترامية الأطراف، والتي تعادل في حجمها قارة أوروبا، ويفوق عدد سكانها سكان أوروبا ضعفين، يُفترض أن تكون مدقعة الفقر حسب قوانين العالم المعاصر؛ فهي ليست فاحشة الثراء في الموارد، ومنعزلة عن بقية العالم ثقافيًا واجتماعيًا. إلا أن ارتباطها الوثيق سياسيًا وتجاريًا مع البقية خلق كل الفرق لصالحها، حتى أصبحت مصنع العالم، ونموذجه الأكبر والأوضح في الكفاءة: كفاءة الطاقة، والعمل، والإنتاج، والرفاه المعيشي، وطبعًا الكفاءة اللوجستية. فلم أرَ –على الأقل في شنغهاي وبكين— أي معالم فقر واضحة، حتى في الأماكن الشعبية. لا يوجد فقراء بلا منازل (Homeless)، ولا متسولون، ولا حتى مظاهر تُكسر القلب. الكل يعمل، وكل شيء نظيف، ومستوى الخدمات هو الأعلى الذي وصلتُ إلى ملاحظته في حياتي.








لقطات متفرقة من شنغهاي
اخترتُ بكين محطةً رئيسية لثلاثة أسباب: الأول أن الخطوط السعودية تطير إليها من جدة مع توقف بسيط في الدمام أو الرياض، ولأن هذه الزيارة الأولى الرسمية فلا يجب أن أطنش العاصمة. ثانيًا: أن لديّ رصيدًا جيدًا من نقاط الفرسان، والتي سمحت لي بالحصول على تذاكر مكافآت لخمسة أشخاص من أصل سبعة. ثالثًا: أنه يوجد فيها Universal Studios التي افتُتحت عام ٢٠٢١م، واستقبلت قرابة عشرة ملايين زائر منذ ذلك الوقت، وهي محطة مهمة لأي زيارة عائلية تتضمن أطفالًا وكبارًا مهتمين مثلي. قضينا في بكين ست ليالٍ ثم شنغهاي ثماني ليالٍ، ثم عدنا ليلتين إلى بكين –والتي كان في جدولها زيارة سور الصين العظيم— ثم إلى جدة. كان الجدول موفقًا إلى حدٍ كبير، ومثل زيارة أي دولة للمرة الأولى، فقد هيّأتُ نفسي لأقصى درجة من المفاجآت، ومصاريف الغشم غير المتوقعة التي تظهر جرّاء نقص الخبرة. سكنتُ في بكين في فندق The Sandalwood Executive Apartments by Marriott، حيث كان الخيار شبه الوحيد الذي احتوى على ثلاث غرف داخل شقة ممتازة وواسعة، ثم Holiday Inn Jing’an. وقد اخترتُ هذا الفندق أيضًا لأن رصيد نقاطي في سلسلة فنادق IHG كان كبيرًا نسبيًا بسبب سفرات العمل خلال العام الماضي، مما أتاح لي الحصول على نصف سعر الغرف التي كان يفترض أن أدفعها. ورغم أن الفندق لم يكن بنفس مستوى الخدمات في خيالي، إلا أنه كان جيدًا جدًا من ناحية التقييم العام، وامتلاكي مستوى ولاء Platinum Membership ضمن لي ترقية لا بأس بها للغرف.
رغم ذلك، تُعتبر الفنادق وتذاكر الطيران بشكلٍ عام رخيصة نسبيًا، كما أن المصاريف اليومية –إن قارنّاها مع أوروبا وأمريكا وتركيا— تُعتبر أرخص بفرق شاسع. أستطيع القول إن الأسعار كلها أرخص من السعودية بفارق يصل من ١٥٪ إلى ٣٠٪.
تأملي الثاني في سلوك الشعب تجاه الأجانب (الزوار والعلامات التجارية). الصينيون بشكلٍ عام ودودون للغاية، يعشقون الأطفال، واندهشتُ من كثرة تصويرهم لنا، وبالأخص صور لهم بجانب ابني عبد الملك (سنتين)، حيث رأوا فيه طفلًا غير معتادين على شكله. وأكثر من مرة لاحظتُهم يسألون عن شعره «الكيرلي» إن كان طبيعيًا أو إننا وضعنا فيه شيئًا. ورغم أنهم ليسوا متحضّرين جدًا في الإتيكيت العام، فهذا لا يلغي ودّهم الملحوظ؛ فمن السهل أن تجد صينيين يسقطون في الطابور عدة مرات، أو يلتصقون بك. وثقافة التكريع في الأماكن العامة عادية، والتبصّق في الشارع سلوك طبيعي تمامًا. ومع ذلك فالشعب عمومًا نظيف جدًا –عكس ما توقعت— لا تصدر منهم أي روائح غير مرغوب فيها، حتى في عزّ الحر والتعرّق. يملكون جميعهم سيقانًا قوية، تجعلهم يجلسون القرفصاء (Squat) أوقات انتظارهم وتدخينهم ومحادثاتهم العادية. وهي نفس جلستهم في الحمام العربي –أعزّكم الله— والتي تنتشر في كل مكان أكثر من الحمّامات الإفرنجية. وطبعًا لا يوجد شطّافات مع الأسف، مما يستدعي شيئًا من التحضير لهذا الأمر، أو حبس النفس حتى العودة إلى الفندق، أو الذهاب إلى مركز فاخر يضمن مستوى أعلى من النظافة، واحتمالية وجود كراسي إفرنجية.
الرفاه الاقتصادي واضح. فالقدرة الشرائية كبيرة، والأماكن السياحية ومراكز التسوق والمطاعم تعج بالصينيين، كما أن العديد من العلامات التجارية الغربية متوافرة بغزارة ومزدحمة، وواضح عليها نتائج حركة البيع والشراء الغزيرة، مما يؤكد صحة افتراضي بأن الشعب عمومًا لا يواجه تحديات مادية قاسية ككثير من الدول الأوروبية أو مثل ما أسمع عنه في تركيا. وسنلاحظ هنا أننا من الصعب جدًا في حياتنا أن نجد صينيًا يعمل في وظائف ذات الدخل المنخفض حول العالم مثل شعوب دول العالم الثالث، رغم عددهم الكبير، باستثناء أبناء المهاجرين الذين تجدهم جيلًا ثانيًا أو ثالثًا يعملون في مطعم أو محطة ما في أمريكا إلى جانب دراستهم الجامعية، وليس بدافع الحاجة المحضة.
نسبة السيّاح مع أعداد الصينيين لا تُذكر، ولذا يعتبرون كل من يزورهم تقريبًا شخص غريب.
يحكي يوان في كتابه الرهيب (Unpacking China: 50 Essential Q&As For First-Time Visitors) الذي أنهيتُه قبل وصولي إلى بكين، بأن أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات الصينية الكُبرى التي تتوسع حول العالم، أنه من الصعب عليهم أن يقنعوا مدراء بعض الإدارات أو الموظفين بالانتقال إلى الخارج ولو مؤقتًا لافتتاح أو إدارة فرع شركتهم هناك، من شدّة تعلّقهم ببلدهم، وبسبب الرفاه المعيشي الذي يكون في العادة من الصعب الحصول عليه خارج الصين، مما يضطرّهم إلى بذل عروض مغرية لهم لكي ينتقلوا. وأستطيع أن أتفهم هذا الأمر بعد قضاء قرابة ثلاثة أسابيع هناك. فكل شيء سهل للغاية فعلًا، إضافة إلى الرفاه والكفاءة العالية، وسأتطرّق له بتفصيل أكثر بعد قليل.
عمومًا، قد يسأل سائل أيضًا عن درجة الأمان العام في الدولة، وسيستطيع أي شخص يزور هذه المدينة لمرة واحدة أن يستوعب أن الأمان قد لا يكون موجودًا بمستوى أعلى مما هو موجود في دولة مثل الصين، حتى وإن كانت مترامية الأطراف إلى هذا الحد. وكُنت مؤمنًا في البداية أن النظام الصارم في الدولة (والتي يعتبرها المنطق الغربي دولة قمعية من الطراز الأول) هو السبب الحقيقي، أو لأن الكاميرات منتشرة في كل مكان وعند كل زاوية نتيجة لذلك، إلا أن هناك سببًا حقيقيًا أكثر عمقًا ووضوحًا.
هناك مقولة صينية تقول: «عندما تمتلئ مخازن الحبوب، يتصرف الناس بكرامة؛ وعندما يكونون شبعين ومكسوين، يدركون معنى الشرف والعار». بعبارة أخرى، عندما تُلبى الاحتياجات الأساسية للناس، تنخفض معدلات الجريمة عادةً. وينبع جزء كبير من الأمن العام في الصين من ارتفاع مستويات المعيشة. فالأشخاص الذين يتمتعون بوظائف مستقرة ومساكن آمنة وشعور بالأمان، يكون لديهم دافع أقل بكثير للسرقة أو إيذاء الآخرين. وهذه حقيقة عالمية.
—هوانغ، يوانبو. استكشاف الصين: 50 سؤالًا وجوابًا أساسيًا للزوار لأول مرة (ص. 11). طبعة كيندل.
تأملي الثالث كان نظرة الصينيين تجاه دولتهم.
أول سائق «ديدي» (وهو المرادف لخدمة توصيل أوبر في الصين) ركبتُ معه سألتُه عن الحال وإن كان سعيدًا في حياته، وقد أجابني إجابة سياسية مباشرة بعد أن علم أن هذه هي زيارتي الأولى وقال: «نحن سعيدون للغاية، ونشكر الحزب الشيوعي الذي وعد وصدق وعده في توفيره لنا حياة كريمة كالتي نعيشها». وفي الحقيقة كان سؤالي سؤالًا عامًا عاديًا يخص هذا السائق، ولم أقصد بأي حال الوضع السياسي، لأنني أعلم يقينًا أن النقاشات السياسية ليست محبّذة في هذه البقعة من العالم، خصوصًا إن كانت منطلقة من نظرة غربية، كالنقاش شديد الحساسية عن علاقتهم بتايوان (والتي يعتبرونها شأنًا داخليًا محضًا، ولا علاقة لأي إنسان أو دولة في العالم الخارجي بها)، أو عن مفهوم الحرية الذي يستغربونه بصدق، حيث يرون أن الحرية –بمفهومها الغربي— لا قيمة لها إن لم يتمتّع صاحب الحرية بأعلى مستوى من الرفاهية والأمان، وهو ما يؤمنون بوجوده في حياتهم؛ قادةً وشعبًا.
يجد الكثير من الصينيين صعوبة في فهم سبب إعلاء بعض الدول من شأن الحرية الشخصية إلى هذا الحد، حتى عندما يبدو أن تلك الحريات تأتي على حساب النظام العام الأساسي.
الاستقرار هو كل شيء في الصين. فعبارة «الاستقرار قبل كل شيء» لا توجّه السياسة الداخلية فحسب، بل العلاقات الخارجية أيضًا. فالاقتصاد الصيني مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجارة العالمية والاستثمار والشراكات. والحرب تعطل كل ذلك. فلماذا قد يرغب شخص يبني منزلًا في إشعال النار في الحي بأكمله؟ في الواقع، اتبعت أمريكا في بداياتها منطقًا مشابهًا. في القرن التاسع عشر، أعطت الولايات المتحدة الأولوية للنمو الاقتصادي وتجنّبت في الغالب خوض الحروب الخارجية. ولم يظهر دورها الأكثر تدخليًّا إلا في وقت لاحق، بعد أن أصبحت تمتلك القوة — والرغبة — في تشكيل النظام العالمي. وبهذا المعنى، تشبه الصين اليوم أمريكا في مرحلة سابقة كانت تضع الاقتصاد في المقام الأول. كما أن الصين لا تؤمن بـ«إنقاذ العالم». على عكس العديد من الحملات العسكرية الغربية التي تحرّكها الأيديولوجية أو الدين، كانت الفلسفة السياسية الصينية دائمًا تميل إلى الداخل. فالكونفوشيوسية والتاوية تؤكدان على الانسجام وضبط النفس والنظام الداخلي. حتى البوذية، بمجرد دخولها إلى الصين، أصبحت تقليدًا يتسم بالتأمل العميق والسلام. ثقافيًّا، لطالما نظرت الصين إلى نفسها على أنها مكتفية ذاتيًّا — وليست مدفوعة بحماس تبشيري لتغيير الآخرين. ولا تزال هذه العقلية سائدة. اسأل العديد من الآباء الصينيين عما إذا كانوا يرغبون في أن يعمل أطفالهم في الخارج، فغالبًا ما سيقولون: «لماذا نغادر بينما الحياة مستقرة هنا؟» وهذا ليس جهلًا — بل هو رضا.
—هوانغ، يوانبو. فهم الصين: 50 سؤالًا وجوابًا أساسيًا للزوار لأول مرة (ص. ١٨١١). طبعة كيندل.
تأملي الرابع كان في حدود التواجد الغربي في حياة الصينيين. والذي لا يخرج عن حدود الاستهلاك اليومي فقط، دون الدخول على الاستهلاك الثقافي. بمعنى: زرتُ مكتبتين، إحداهما كانت في شنغهاي، والأخرى في بكين وهي عبارة عن مكتبة ضخمة من أربعة طوابق، وبالكاد وجدتُ دولابًا صغيرًا فيه بعض الكُتب الغربية الكلاسيكية مترجمة إلى الصينية مثل هاري بوتر، وروايات تشارلز ديكنز، ومارك توين، وغيرهم. أمّا بقية الكُتب فكانت كلها كُتبًا صينية، وطبعًا هناك رفوف خاصة بكُتب الحزب الشيوعي وإنجازاته وفلسفته. الشعب منعزل تمامًا عن كل الكتابات غير الصينية؛ لم أجد أيًا من الكتب الغربية المعاصرة (والأمريكية بالتحديد) الأكثر مبيعًا. وهذا ما جعلني أتوقف مصدومًا وأسأل: كيف لهذا التقدم التقني الاستثنائي، والتعليم الذي يكاد يسبق العالم في كل المجالات، أن يصل إلى ما وصل إليه دون أي تداول مباشر للكتب المنتشرة في كل المكتبات المحترمة في العالم؟ هذا السؤال لا يزال محيرًا جدًا لي حتى هذه اللحظة. فهم على الأغلب لم يسمعوا بكل رواد تطوير الذات الأمريكيين، ولم يقرؤوا كتابًا واحدًا لمتصدري الكتابات النفسية مثل جوردان بيترسون ومارك مانسون وغيرهما، ولا أعتقد أنهم مهتمون بصراحة. هذا الانعزال خلق داخلي سؤالًا أكثر حيرة: هل بقية العالم –ونحن منهم— نحتاج بالفعل إلى الكتابات والثقافة والتواصل الغربي شديد الغزارة الذي نعيشه؟ وما هي النتيجة الحقيقية من ذلك؟
شخصيًا، كُنت أشعر بشيء من الفخر أن معظم قراءاتي باللغة الإنجليزية، معتقدًا أن هذا الأمر يعطيني شيئًا من الاستثناء في مجتمع الكتّاب العرب الشباب، حتى توقفتُ مليًا وراجعتُ هذه الفقرة بالذات. أين يفترض بالمطالع والمثقف أن يضع أقدامه ليبدأ السير؟ مع الكتب المحلية فقط؟ أم مع الكتب المترجمة؟ وهل هذان سؤالان مشروعان أصلًا لدى المثقف الصيني المنعزل تمامًا داخل ثقافته ومحليته، والمتقدّم على أقرانه في العالم؟ الله أعلم!
حدود التواجد الغربي لا تخرج عن KFC وماكدونالدز وستاربكس، وطبعًا العديد من العلامات التجارية الغربية للملابس والمواد الاستهلاكية العادية. تجد في معظم المراكز التجارية طابقًا مخصصًا لكل ما هو أجنبي، وطابقًا آخر لكل ما هو أمريكي، وبقية المحلات مخصصة للعلامات التجارية المحلية، والتي وجدتُ فيها مستوى عاليًا في الجودة وغلاءً نسبيًا في السعر. لم تكن تجربة التسوق –على خلاف ما توقعت— تجربة مغرية؛ فالملابس والإكسسوارات لم تكن «بتراب الفلوس» كما يُهيّأ لأي زائر، لأن الجودة كانت مرتفعة فعلًا، والقوة الشرائية الصينية تسمح بشرائها. وقد حسمتُ الأمر مبكرًا بأن قررتُ أن أستكمل تسوقي للملابس لاحقًا عندما أزور إسطنبول بدلًا من الصين. ولكي نفهم تعامل الصينيين مع الاكتفاء الاستهلاكي، فقد مررتُ على أكبر محل H&M في العالم في شنغهاي، كما كان فرع LV الخيالي يقع وسط شنغهاي، وهو عبارة عن سفينة ضخمة، داخلها يوجد صالة عرض للملابس إضافة إلى متحف عن تاريخ هذه العلامة التجارية. كما أن أديداس ونايكي وغيرهما منتشرين في كل مكان بأحجام عملاقة، وقد كُنت سعيدًا جدًا عندما لاحظتُ أن هناك علامتين تجاريتين منتشرتين في كل مكان أحبهما جدًا وهما: «آيس كريم ديري كوين»، و«ملابس يونيكلو» العلامة التجارية اليابانية المحترمة، وطبعًا محلات «بيكر آند سبايس» التي يعشقونها بشكل غريب.
كان من الملفت طبعًا مشاهدة مئات سيارات تيسلا وهي تجوب في الشوارع، واكتشفتُ أن إيلون ماسك أكثر رئيس تنفيذي محبوب لدى رجال الأعمال والشباب الصينيين. وقد لاحظتُ أن العلامات التجارية التي اشتهرت باحترامها للصين وتصنيعها الرئيسي لديهم منتشرة بالفعل ومتداخلة مع الشعب، مثل آبل، وتيسلا طبعًا. والمضحك كان بالنسبة لي انتشار سيارات «بويك - Buick» لمن يتذكرها من أبناء جيلي، والتي توقفت من جميع أنحاء العالم تقريبًا، وهي سيارات أمريكية من إنتاج جنرال موتورز، كانت قد أنشأت مصنعًا لها نهاية التسعينيات في الصين، ونجحت نجاحًا باهرًا في سوقها حتى اللحظة. وقد علمتُ لاحقًا أن سبب نجاح هذه العلامة التجارية أن الأباطرة والحكام الصينيين كانوا يقتنون هذه السيارات مطلع القرن الماضي، ويُعتبر اقتناؤها اليوم نوعًا من النوستالجيا الثقافية الشعبية.
علامات الرفاه وضحت أكثر عندما وصلتُ إلى شنغهاي، فقد شاهدتُ على الأقل خمس سيارات فيراري يقودها شباب صغار، وخمس سيارات رولز رويس تنتشر بالقرب من منطقة «البوند» السياحية، والتي تحدّها بنايات أوروبية التصميم ساحرة في جمالها. وقد عرفتُ أن الاحتلال الفرنسي (وبعضًا من البريطاني) لم يترك هذه الوصلة في حالها، ولا يزال الصينيون يحتفظون ببعض معالم ذلك التاريخ القديم في بنيانهم دون خجل، بل إنهم يستغلونها لتكون متداخلة مع التطور العمراني المعاصر، إضافة إلى المباني ذات التصميم المعماري التقليدي الساحر بشكله الخاص.
معرفة الصين بالحدود التي يجب أن يُسمح بها في ثقافتهم مبهرة في الحقيقة. فهم كما ذكرنا يملكون منتجعًا ضخمًا ليونيفرسال ستوديوز، كما أن منتجع وحديقة ديزني شنغهاي لا تقل جمالًا عن التي اعتدتُ زيارتها في أورلاندو عندما أقمتُ مؤقتًا في فلوريدا قبل بضعة سنوات. الازدحام شديد للغاية من قِبل الزوار، وأسعار المشتريات بشكل عام أرخص مما رأيته في أمريكا. مشكلتي الشخصية الوحيدة أن الأجواء كانت شديدة السخونة، ما جعلنا نلغي فكرة زيارة ديزني ليومين متتاليين مكتفين بيوم واحد، لسوء الطقس والشمس الصاقعة. ولم يشكّل لنا هذا الأمر أزمة حقيقية لغزارة برامج الترفيه في شنغهاي؛ فالبلد تعج بالمسارح والمتاحف والحدائق والشوارع السياحية والمطاعم الممتازة.
الأكل والمطاعم
لن أتطرّق كثيرًا لموضوع الأكل لسببين: الأول أن الخيارات الممتازة متوافرة كثيرًا في المدن الرئيسية، إلا إنها تحتاج إلى شيء من البحث والتقصّي، خصوصًا في مسألة الأكل الحلال، أو الأكل المناسب لنا كمجتمعات عربية ومسلمة، ولا أحب أن أدخل في جدال مطوّل عن القناعات التي ترتبط باختيار الأكل، لأنني سأجد الكثيرين يختلفون معي. السبب الثاني: أن معظم الاقتراحات التي جربتها بناءً على نصائح مشاهير التواصل الاجتماعي كانت في الحقيقة مضروبة، خصوصًا الغربيين منهم. وجدتُ العديد من المطاعم المحلية التي تفتخر بكونها ضمن قائمة خيارات «ميشلان» إلا إنها بالغة السوء في المذاق والجودة والسعر، بالنسبة لي ولعائلتي التي اتفقت معي. في الحقيقة، وجدتُ أن مسألة إيجاد مطعم لذيذ ومناسب فيها شيء من الحظ. أحد المطاعم التي أعجبتنا زرناه أكثر من مرة، محاولين تجنّب الأكل الصيني التقليدي (والذي لا يُؤكل أبدًا بالنسبة لنا) الذي كان أكثر انتشارًا بطبيعة الحال من الأكل الغربي. إلا إنني سأميل بكل حياد إلى رأي بأن خيارات الأكل عمومًا كانت جيدة، وليس فيها ذلك العيب الصارخ الذي سمعتُ عنه من كل من زار الصين. وربما يعود الأمر لانحصار زيارتي في مدينتين كبيرتين فقط دون المرور على المدن الصغرى الأخرى. الله أعلم.
القطارات
كانت مذهلة. تجربة السفر بين بكين وشنغهاي ذهابًا وعودة من التجارب المميزة جدًا. فالمسافة بالسيارة كانت ستكون حوالي الاثنتي عشرة ساعة، بينما كانت بالقطار السريع أربع ساعات وربع. اقترح جورج غالاوي المفكر البريطاني اللطيف –والذي اشتهر بتعاطفه الكبير مع القضية الفلسطينية— تجربة إغماض العين أثناء سير القطار ومحاولة استشعار أنك في مكان آخر. قمتُ بفعل هذه التجربة، وستُصدم بأن سرعة القطار وهدوءه قد يُنسيانك أنك راكب وسط قطار يسير بسرعة الرصاصة! الخدمات في القطار هي في مستواها الأعلى الذي جربتُه في حياتي؛ تقوم المضيفات بالمرور كل عشر دقائق بصواني محملة بأنواع مختلفة من الأطعمة والقهوة. والأمر الأكثر إثارة للدهشة والصدمة بالنسبة لي أنه من الممكن لك كمسافر عبر القطار القيام بعمل طلبيات توصيل، تستلمها المضيفة نيابة عنك وتوصلها إلى مقعدك في المحطة التالية. أذكر أن عائلة أوروبية خلفنا كانوا قد طلبوا كل واحدٍ منهم طلبًا مختلفًا من مطعم مختلف، وكلها وصلت إليهم في المحطة التالية. هذا المستوى من الرفاه الذي كنتُ أتحدث عنه، هذا المستوى الغريب، هو «العادي» الذي يعيشه معظم الصينيين. كنتُ أتأمل طيلة الوقت مشهد طلبات التوصيل في الفندق، حينما يدخل سائق توصيل الطلبات إلى بهو الفندق، يضع الطلبات داخل جهاز روبوت، يضغط فيه على رقم الغرفة، ليقوم الروبوت بتوصيل الطلب مباشرة إلى الغرفة، دون أي تدخل من موظفي الفندق.
أحد المواقف الطريفة أنني قمتُ بطلب بضعة أشياء من خدمات الغرف في إحدى الفنادق التي سكنتها، ليقوم الروبوت بإيصالها إلى غرفتي، ولأنني كُنت بالخطأ ضاغطًا على زر «عدم الإزعاج» على الجرس ما جعله يرن، قام الروبوت بالاتصال على هاتف الغرفة ليبلغني أنه في الخارج.

التطبيقات
صحيح أن لا أحد يتحدث الإنجليزية في هذه البلد تقريبًا، إلا أن الحال مشى مع برامج الترجمة، وموقع مثل Trip.com كان قد أسهم بشكل مباشر في جعل حياتي أسهل هناك، لأنه يعمل عمل الوسيط في شراء التذاكر الخاصة بالمناطق السياحية والسفر، وحجز المطاعم وغيرها. كما أن اعتماد الدولة كلها على تطبيقي Alipay وتطبيق WeChat كان قد رحمني من حمل النقد تمامًا؛ فلم ألمس طوال فترة تواجدي هناك أي ورقة نقدية، حتى بائعي الشارع يتعاملون بهذه التطبيقات في الدفع والتحويل وكل المعاملات المالية.
ثقافة البقشيش شبه منعدمة، وهذا أمر مريح أكثر مما يتصور الإنسان، خصوصًا إن كان مثلي جرب المعيشة في بلد مثل الولايات المتحدة، التي تتوقع مطاعمها بقشيشًا يوازي ١٥٪ على الأقل من قيمة أي فاتورة، وهو أمر مزعج، وأجد فيه شيئًا من العبث في سير الحياة والتعامل التجاري بين الأفراد.
الاعتماد المفرط على التطبيقات قد يصعّب جدًا حياة الكبار في السن من الزائرين، ورغم راحته الكبيرة إلا أنه ربما يكون فيه شيء من التحدي لمن يزور هذه البلد للمرة الأولى. الاعتماد المفرط على التقنية عمومًا جعلها من مصافي الدول التي تحولت في عقد من الزمان إلى دولة سبّاقة في استخدام الطاقة النظيفة ونقص التلوث. فمعظم السيارات التي ركبتُها كانت كهربائية، ناهيك عن نظافتها، ونظافة سائقيها الملفتة، مقابل فتات من السعر.
تأملي الخامس كان في الرفاه المشترك والإنتاجية وريادة الأعمال. إن كان هناك أمر حقيقي يعتز به الصينيون عمومًا فأعتقد أنه «الكفاءة». يؤمن الصينيون أن كل دائرة في دوائر حياتهم تتسم بشيء من الكفاءة: في الطاقة، والإنتاجية، والعمل، واللوجستيات، والعلاقات، والإيمانيات، والغضب، والفرح، وغيرها. يحاول الصينيون وضع كل جهد في مكانه الصحيح، وأخذ أكبر قدر من نتائجه في المقابل. الكفاءة تعني لهم الإنجاز بأقل الموارد، وأسرع الطرق، مع أقل تكاليف، وأعلى مردود. ويحاول يوان الإجابة على هذا الأمر بقوله:
وُلدتُ في أواخر عام ١٩٨٥، في خضم انطلاقة الصين الاقتصادية. ذكريات طفولتي مليئة بالتقدم الملموس. فقد تحولت الطرق الترابية إلى طرق سريعة معبّدة. وتحولت الأسواق المفتوحة إلى سوبرماركتات حديثة. وحلّت حرم جامعية جديدة ومشرقة محل المدارس المتهالكة. قد تقول: «حسنًا، هذا ما ينبغي على أي حكومة أن تفعله». وأنا أتفق معك. لكن بالنسبة للكثيرين منا ممن عاشوا تلك التحولات، كان الشعور بالتحسن قويًا لدرجة أن الامتنان غالبًا ما فاق التوقعات. وبالطبع، فإن نظام التعليم ووسائل الإعلام في الصين تشكلان هذه النظرة. فمن الكتب المدرسية إلى نشرة الأخبار المسائية، الرسالة واضحة: الدولة تعمل من أجل الشعب، وعلى الشعب أن يحترم الدولة. لكنني لا أعتقد أن الدعاية وحدها تفسر هذه الثقة. فقد تقمع المعارضة، لكنها لا تستطيع صنع التأييد. النتائج أهم من الشعارات. خذوا على سبيل المثال التخفيف من حدة الفقر. على مدى العقود القليلة الماضية، تم انتشال مئات الملايين من الفقر المدقع. لقد زرتُ بنفسي مناطق ريفية تحولت من أكواخ طينية إلى منازل خرسانية، ومن غياب الخدمات إلى عيادات حديثة. يمكنكم التشكيك في منهجية تحديد خط الفقر أو عدالته — لكن التحسينات واضحة ولا يمكن إنكارها. ومع ذلك، سيكون من الخطأ القول إن الشعب الصيني يثق بحكومته ثقة عمياء. على منصات مثل «وي تشات» و«ويبو»، ستجد الكثير من الأصوات الناقدة. يغضب الناس عندما يسيء المسؤولون المحليون استخدام السلطة أو يسيئون إدارة الأزمات. الثقة هنا لا تعني الطاعة دون تساؤل — بل تعني الإيمان بأن النظام، بشكل عام، يعمل ويتحسن. ما يثق به الشعب الصيني ليس حكومة مثالية، بل حكومة تحقق النتائج.
—هوانغ، يوانبو. فهم الصين: 50 سؤالًا وجوابًا أساسيًا للزوار لأول مرة (ص ٥٥-٥٦). طبعة كيندل.
لا يميل الصينيون –مثل الأمريكيين مثلًا— إلى الإيمان بفكرة أن الشركات تملك قيمة سوقية، وبأن رياديي الأعمال يساوون ما يملكونه من شركات. إن أردتَ أن تتفاخر على أي صيني، فلا تقل له إنك بنيتَ شركة ريادية تساوي ملايين الدولارات، بل يجب أن يرى نمط حياتك، وسيارتك، ودخلك، وصرفك على أسرتك حتى يؤمن أنك بالفعل ريادي أعمال ناجح. هناك «كود» غير معلن لدى الصينيين وهو أن العمل بصمت أهم بكثير من الإعلام عن الأعمال بصخب. هذا الأمر لم يصبح ثقافة فحسب، بل إن الحكومة أصبحت تشجع صراحةً رياديي الأعمال –خصوصًا الأثرياء فعلًا منهم— على تجنّب الظهور الإعلامي والاستعراض الاستهلاكي بشتى الطرق. فرجل مثل «ليانغ وانفينغ» مؤسس محرك DeepSeek نادرًا ما يظهر في لقاءات إعلامية، مثله مثل آلاف رياديي الأعمال شديدي الثراء. وهذا التوجه وإن كان مقصودًا ومرتبًا من قِبل الحكومة، فإن دوافعه قد تكون أغرب مما نتخيل. فالحكومة الصينية تسعى جاهدة بعدم تفتيح أعين الأمريكيين على مشاريعهم وأثريائهم، كما أنهم حريصون جدًا على عدم نشر الفوارق المادية الشاسعة بين رياديي الأعمال وبقية العوام بشكل واضح وصريح، تطبيقًا لما أسموه «الرفاه المشترك». فالإنسان لا يبدأ باستشعار نواقصه في الحياة إلا عندما يرى ما يملكه الآخر. قد يكون هذا التوجه فيه شيء من الثقافة الشيوعية، إلا أنها ورغم صرامتها، تحتمل الصواب أكثر من الخطأ في رأيي. فلا يمكن للإنسان الذي اعتاد حياة كريمة أن يشعر بكرمها إن كان هناك شخص آخر يعيش مستوى أعلى من الرفاهية، وهذا ما يزعج النخب الصينية وقد يُشعر بعض العوام بتقصير نخبهم (إن وجد).
ختامًا
لن تكون هذه الزيارة هي الأخيرة بلا شك، ولديّ رغبة مؤجّجة لاستكشافها أكثر والتعرّف عليها عن كثب. وحتى ذلك الوقت، أعطيكم سلامي هنا وأختم التأملات.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.