تخطى الى المحتوى

كيف يأكل الحزن بطوننا؟

تأمل بعد اشتعال القولون العصبي من أخبار الحرب.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
3 دقائق قراءة
كيف يأكل الحزن بطوننا؟
Photo by Seyed Amir Mohammad Tabatabaee / Unsplash

مثل الكثيرين، أعيش هذه الأيام أجواءً حزينة ومتخمة بالسلبية؛ بسبب الوضع السياسي والحرب القائمة بين إيران من جهة، وأمريكا والكيان المحتل من جهة أخرى، والتي طالت شظاياها دول الخليج كافة، نسأل الله السلامة.

ولمن يعرفني عن قرب، يعلم أن مجال عملي الرئيسي هو القطاع اللوجستي، وتحديدًا قطاع الشحن الدولي (الطيران والسفن)، ويعلم الأكثر قربًا أن معظم أعمالنا ترتكز في ميناء الدمام، الذي يشهد تحديات كبيرة بسبب محاولات إيران إغلاق مضيق هرمز. هذه المشكلة لا تخصني وحدي بالطبع، بل تشمل دول مجلس التعاون كافة.

يعلم عقلي أنها مشكلة مؤقتة مهما طالت، وبالطبع لن تقف حكومتنا مكتوفة الأيدي أمام هذا التعطل الذي طال مصالح ملايين البشر، ليس في دول الخليج فحسب، بل في العالم أجمع.

فور اندلاع الحرب أُصبت بحزن شديد وهبوط حاد، استسلمت على إثره لكساد داخلي جعلني أدفع نفسي دفعًا للقيام بأي مهمة مفيدة، وأقحمت نفسي دون قصد في دوامة طويلة من الانغماس في الأخبار. وقبل يومين، اجتمع شريكي مع زملائي ذوي المناصب القيادية لتحديد خطة عمل احتياطية -خصوصًا فيما يتعلق بالسيولة النقدية للأشهر القادمة- في حال تفاقم الوضع. ولأن الاجتماع كان مبكرًا في السابعة صباحًا، لم أستطع حضوره لعدم تنسيقنا المسبق له، زودوني بعدها بملخص الاجتماع، ثم عدت إلى سُباتي النفسي العميق مرة أخرى.

لا أحب «الحلطمة» صدقًا، ولا أحب أن أكون ممن ينكرون -بقصد أو دون قصد- منّة الله وفضله عليهم، لكنني كأي إنسان، شعرت بالتوتر والحزن بطبيعة الحال. ومثل هذه الأيام تجعلني لا أقوى حتى على كتابة أي شيء من كتبي أو مقالاتي التي وعدت قرائي بالاستمرار في تدوينها بدافع أخلاقي، ولعلني نجحت الآن في «اجترار» نفسي جزئيًا الان.

تحدث معي شريكي قبل ساعات ليخبرني أن الأمور ستكون على ما يرام، بل إننا يجب أن نشعر بشيء من الإثارة لمشاهدتنا مثل هذه الحقبة التاريخية الغريبة!

اكتشفت حرفيًا أن الوضع قد تفاقم عندما أُصبت بآلام حادة ليلة البارحة، وعلمت أنها آلام القولون العصبي، الذي قدت نفسي إلى استثارته بجلوسي ساعات طوال على منصة «إكس» لمتابعة الأخبار. الأسبوع الماضي دخلت مع نفسي تحديًا بأن أُنهي قراءة مجموعة قيمة من الكتب خلال هذا الشهر الفضيل، كنوع من زرع الاتزان الداخلي الذي من شأنه أن يقيني تشتت العالم وسطحيته، مع جدول رياضي طموح ولقاءات اجتماعية مكثفة (فأنا أصبح اجتماعيًا جدًا كل رمضان)، إلا أن الوضع انقلب رأسًا على عقب؛ أصبح النوم صعبًا، والتفكير في العمل ومشاكله (التي لا أملك قدرة أو حلًا لعلاجها) قد أكل مني ما أكل، لدرجة أنني أكتب هذه الكلمات وأنا أشعر بآلام حادة مستمرة في بطني، ذكرتني بأيام الاختبارات النهائية في المدرسة.

ووسط هذا التكاسل والدراما الشعواء، وقعت في يدي مقالة ذكّرتني بهلوسة الإعلام الإخباري، وتدعونا فيها لاستحضار التوازن.

... أعود دائمًا إلى سؤال بسيط: ما مقدار الواقع الذي يمكن للجهاز العصبي البشري معالجته دون أن ينهك؟ هناك فرق بين الوعي والاستيعاب، بين البقاء على اطلاع والانغماس. البيئة المعلوماتية الحديثة تقضي على المسافات؛ إنها تدعونا إلى التعامل مع أزمات متعددة في وقت واحد، إلى حمل حزن قارة ما بينما نتجادل حول سياسة قارة أخرى، كل ذلك في الساعة نفسها. نسمي هذا "بقاءً على اطلاع"، ولكن في بعض الأحيان يبدو الأمر وكأنه عبء زائد مُقنّع بالمسؤولية.
أنا لا أضفي الرومانسية على الفقر، فحياتهم ليست أسهل، وعدم الوصول إلى المعلومات قد يعني أيضًا عدم الوصول إلى السلطة. لا أريد أن أحول ظروفهم إلى شيء شاعري، وفي الوقت نفسه، لا يمكنني تجاهل التأثير الأساسي لقربهم مما هو مباشر؛ إنهم لا يعيشون في عدة خطوط زمنية في وقت واحد، إنهم يعيشون في هذه الساعة، في هذا الشارع، في هذه المحادثة. وفي وجودهم، شيء ما في داخلي يلين.
ربما بعض من عدم استقرارنا الجماعي لا يتعلق فقط بما يحدث في العالم، بل بمدى ما نحاول تحمله في وقت واحد، ومدى عمق الفوضى التي تدخل حياتنا الداخلية. ربما العقلانية لا تتعلق بمعرفة كل شيء، بقدر ما تتعلق بالاعتراف بما يمكننا الانخراط فيه بشكل هادف، وما يمكننا التأثير فيه، وما يجب أن نتخلى عنه.
على الرغم من أنني لا أملك استنتاجًا واضحًا، ما زلت أحاول إيجاد التوازن. لا أريد أن أتراجع إلى حالة من اللامبالاة، ولا أريد أن أعيش في حالة من التوجس المستمر. أريد أن أهتم دون أن أُستنزف، وأن أبقى واعيًا دون أن أُستهلك، وأن أختار متى أفتح نفسي على ضجيج العالم ومتى أتراجع.
في الوقت الحالي، أنا ممتن للتذكير بأنه من الممكن أن أكون حاضرًا دون أن أكون مرهقًا، وأن الضحك يمكن أن يوجد دون أن يتبعه عنوان إخباري رئيسي، وأن كل لحظة لا يجب أن تمر عبر منظور عالمي. ربما هذا ليس جهلًا، بل هي حكمة معيشية نسيناها.

أستذكر كلام صديقي فؤاد، الذي يكرر على مسمعي بأن المشاكل في حياتنا مهما كبرت، فعلينا «تقزيمها» لكي نعيش بسلام. طالما أن المقربين بخير، وطالما أننا نثق في حكومتنا، وقبلهم في لطف الله عز وجل، وطالما أننا -بإذن المولى- لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فإن استمرار متابعة الأخبار قد يصبح انتحارًا نفسيًا.

وها أنا أكتب خطواتي الأولى لكم.. من على قارب النجاة.

شؤون اجتماعية

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

عن «كف أبي» ..

من مقالة الدكتور ساجد العبدلي

للأعضاء عام

كم من المال يكفي؟

المال لا يشتري السعادة، لكن الفقر لا يشتري أي شيء.

كم من المال يكفي؟
للأعضاء عام

المدوّنة والحرب

رسالة نور من غزّة: عن شكل الحياة، وقت الفراغ، والحُب الذي يُسبب لنا الأحزان.

المدوّنة والحرب