تخطى الى المحتوى

كيف تخرج المطاعم من السوق؟

تأملات لتنبؤات عن مشكلة التسعير

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
كيف تخرج المطاعم من السوق؟
Photo by Aurélien Lemasson-Théobald / Unsplash

هنا قصتان عن تنبؤ بخروج بعض المطاعم من السوق:

١. حوالي عام ٢٠١٥م، التقيت بأخي وصديقي محمد حافظ في دبي مول. وكعادته في اللطف والكرم، دعاني إلى الغداء في مطعم أصرّ على اختياره، وهو «إيتالي» (EATALY). لم يكن يخطر ببالي دخوله من قبل؛ لعدم فهمي لفكرة المكان، فهو مزيج بين مطعم إيطالي وقسم خاص لبيع المنتجات الإيطالية عالية الجودة.

جلسنا، وتولى هو مسؤولية الطلبات. وكانت — على ما أذكر — بيتزا بجبنة الموزاريلا الطازجة، ودجاج مشوي بالأعشاب الإيطالية، وأعتقد شوربة أو شيئًا آخر. كان الطعام لذيذًا جدًا، والتقديم سريعًا نسبيًا. كان ذلك اليوم بداية عهدي بهذا المطعم المميز (ومحل التبضع الإيطالي الفاخر)، فأصبح أحد خياراتي المهمة كلما سافرت خارج المملكة وكان متاحًا في المدينة التي أزورها.

افتتح أخيرًا فرع له في جدة، بشارع الأمير محمد بن عبد العزيز (التحلية)، وهو — حسبما أعتقد — الفرع الثاني بعد فرعه الأول في الرياض. دعوت زميلين إليه قبل أسابيع، وبلا شك أن جودته كانت على مستوى توقعاتي منه، لكن المشكلة الكبيرة كانت في الأسعار. فقد كانت أسعاره أسعار مطعم فاخر (فاين دايننغ)، بينما التجربة في المجمل تجربة مطعم إيطالي عادي جيد.

لا توجد دورة مياه داخل المطعم، ومساحته صغيرة نسبيًا، وخيارات التبضع محدودة بحكم المساحة. وفاتورة تتجاوز ٦٥٠ ريالًا على مطعم إيطالي عادي رأيتها أمرًا مبالغًا فيه. منطقيًا، لن أطلب طبق دجاج يتجاوز ١٥٠ ريالًا (حتى في المطاعم الفاخرة) وبيتزا تبدأ من ٧٩ ريالًا، إلا في مطاعم تقدم خدمة راقية لا تحتمل خطأً واحدًا، مثل «سان كارلو كاشيتي» في جدة أو «آجيو» في الرياض. والأخير يقدم تجربة عميل كاملة: من الاتصال للحجز، إلى الوصول، إلى التوديع. وفي كل مرة أتصل بهم، يردون مستذكرين اسمي وتاريخ زياراتي خلال دقائق قبل حجز الطاولة، وهذا ما يشعرني بالتقدير قبل أن أصل إلى باب المطعم. أما «إيتالي»، فالتجربة قاصرة بطبيعة الحال.

وأتنبأ — بكل أسف — أن حظوظ هذا المطعم ستكون ضعيفة في المستقبل ما لم تتم إعادة هيكلة للتجربة أو للأسعار.

٢. عام ٢٠١٠م، زرت مطعم برجر «شيك شاك» الذي كان ملء السمع والبصر في جدة بعد شهرته الطاغية في الخارج. طلبت مني إحدى قريباتي الصغيرات قارورة ماء، وعندما ذهبت إلى الكاشير كان سعر القارورة الصغيرة ١٩ ريالًا!

أتحدث هنا عن عام ٢٠١٠ (قبل ستة عشر عامًا)، وعن مطعم برجر. انصدمت جدًا من السعر، وحرت في أمر مطعم يفترض أن يستهدف محبي البرجر (وكانوا في ذلك الوقت فئة الشباب الصغار). فكيف لشاب مراهق أن يأتي إلى هذا المطعم ليدفع — آنذاك — قيمة قارورة ماء «فيجي» ٢٥٠ مل توازي قيمتها قيمة برجر في مطاعم أخرى؟ سرعان ما انتهت قصة هذا المطعم بعدها بسنوات قليلة، وأصبح خجولًا في قراره (أو قرار أصحابه في مجموعة الشايع) بالبقاء أو الخروج من السوق.

لطالما استفزني تسعير المشروبات في المطاعم عمومًا. إلا أن لقاء السيد فيصل شاكر في حلقة بودكاسته الشهير مع «ثمانية»، والذي أشار فيه إلى أن رفع أسعار المشروبات والمياه إحدى الطرق المختصرة لتعويض تكاليف المواد الأولية الغالية (مثل اللحوم وبعض المكونات الأخرى)، ورغم هذا التبرير، أجد أن رفع تسعيرة المشروبات — أو استبدالها في مطعم عادي بخيارات زجاجية — طريقة رخيصة للتكسب. فأنا مثلًا لا أرغب في شرب زجاجة ماء غالية (بدلاً من قارورة بلاستيكية عادية) في مطعم وجبات سريعة، ولا يوجد عميل يفضل الكولا الصغيرة الزجاجية بسعر مضاعف في مطعم برجر، إلا إذا كان ذواقًا ولا يعرف كيف يشرب مشروبه الغازي إلا في قارورة زجاجية، وهذه فئة نادرة.

ومن دون تنبؤ، قد تكون حالة الخجل لدى مطاعم الشايع نتيجة لعدم القدرة على المنافسة المحتدمة مع العلامات التجارية المحلية، وأيضًا لعدم كفاءة التسعير الصارخة التي تكررت في مطاعمهم الأخرى.

أود أن يعذرني القارئ الكريم على صراحتي؛ لأنني أعاني منذ قرابة عشرة أيام من حرارة مرتفعة وصحة غير مستقرة جعلتني طريح الفراش. ومن سمات هذه الحالات أن يشعر الإنسان بانخفاض في الطاقة (ما يفسر غيابي عن الكتابة لأيام)، ورغبة في التعبير بصدق ليُفرغ ما في جعبته.

التنبؤ شيء، والتمني شيء آخر. وأتمنى لكل الأعمال التجارية — خصوصًا أصحاب الشركات الصغيرة — نجاحًا صادقًا.

اقتراحات

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

لماذا لا يتقبّل أصحاب المطاعم الانتقاد؟ - الجزء الثاني

من أغرب سلوكيات البشر التي واجهتها.

لماذا لا يتقبّل أصحاب المطاعم الانتقاد؟ - الجزء الثاني
للأعضاء عام

اقتراحات برامج ومسلسلات سبتمبر ٢٠٢٦م

كلها قصيرة نسبيًا.