لماذا لا يتقبّل أصحاب المطاعم الانتقاد؟ - الجزء الثاني
من أغرب سلوكيات البشر التي واجهتها.
هنا الجزء الأول من المقالة:

(١)
من أغرب السلوكيات البشرية التي لطالما استوقفتني هي «عدم تقبّل أصحاب المطاعم للانتقاد».
سيقول قائل إنني بالغت بعض الشيء، وربما لاحظ الكثيرون من قبل أن أصحاب المطاعم يطلبون – بحُسن نية – ملاحظات العملاء وتعليقاتهم، مع إيحاءات بأنهم سيكونون منصتون لما سيُقال. ولسبب أجهله حتى اليوم، أن كل تجاربي دون استثناء، كلها، كانت انتقاداتي وملاحظاتي لا تُقبل، أو أنها جُوبِهت بتبريرات ساخنة، وهذا ما يجعلني نادمًا على إبداء رأيي بدايةً.
لا أود أن أكون مجحفًا، فلست هُنا في محل الهجوم، بقدر الاستغراب. فقد مرّت عليّ على الأقل ست حالات أذكرها عبر السنين حصلت فيها على رد مباشر فيه تبرير عميق تجاه ملاحظتي بأن: «الطبق الفلاني فيه نقص نكهة» أو أن الطبق الفلاني في: «زيادة استواء».
لا أود أن أسمع تبريرًا. بل أريدك أن تأخذ ملاحظتي التي طلبتها وتفعل بها ما تشاء.
كل تبرير ربما يكون مقنعًا لصاحب المطعم أو طبّاخه، وليس – على أقل تقدير – لذائقتي كعميل صريح. حتى وإن لم أكن أنا كعميل مقياسًا لذائقة هذا الطبق، إلا أنني من ملاحظاتي الأخرى وجدت أن في حالات كثيرة تكون ملاحظتي متكررة مع من رافقني.
يميل مثلًا الشباب الأصغر سنًا (المراهقين) للتركيز على الصوصات في الساندويتشات، وأذكر أن إحدى الأخوات كانت قد لقّبت برجرًا معروفًا في أحد المحلات بـ «برجر البزران» لغرقه منها، واصفة إياه بما يتناسب مع شريحته المستهدفة من العملاء. ولا ضرر في هذا الأمر من ناحية المبدأ، فقد لا أكون عميلًا مناسبًا له، ولكن إن سألني صاحب المطعم، سأعطيه الرأي المناسب لذائقتي وعمري، ولكنني لن أقبل برده القافز «بأن العملاء يحبونه بهذه الطريقة»، فهنا تصبح قيمة السؤال غير مجدية، فأنا لستُ عميلًا مستهدفًا.
(٢)
تجربتي ما قبل الأخيرة كانت على نفس السياق. فقد افتتح مطعم برجر بسيط في أبحر الشمالية، ولولعي بدعم أصحاب المنشآت الصغيرة والجديدة، خصوصًا في مناطق غير اعتيادية مثل أبحر الشمالية، فقد كُنت من أوائل رواد هذا المطعم. بل أذكر أن زيارتي له في المرة الأولى، لاحظت عدة بوكيهات ورد كانت منتشرة في المطعم من أصدقاء ومعارف صاحبه، وفهمت أنها جميعًا كانت هدايا افتتاح رسمي كان قبل أيام.
طلبت ست برجرات لي ولأسرتي مع ثلاث بطاطس عبر الهاتف قبل زيارتي بنفسي لاستلام الطلب، وأتذكّر أن سعر الفاتورة كان صادمًا عندما استلمت الطلب! وعدت إلى المنزل وكانت النتيجة كالتالي:
- البرجر جيد جدًا (ليس خارقًا) بل نظيف ولذيذ، لكن ليس لدرجة سعره غير المتوقع.
- البطاطس كانت عادية.
- لا يوجد خيارات برجر دجاج.
- التغليف عادي، ولا يحوي أي حركات إبداعية.
تفاجأت في اليوم التالي باتصال رقم غريب، وعندما رددت، أخبرني المتصل أنه صاحب المطعم الذي طلبت منه البرجر البارحة ويود سماع الملاحظات عن كثب. وأخبرته صراحةً، أنني لا أحب إعطاء أي ملاحظات (أو بالأحرى انتقادات) لأصحاب المطاعم، لما واجهته من تجارب عديدة سابقة سلبية، في عدم قدرة أصحاب المطاعم على السيطرة على أنفسهم والسكوت للإنصات للملاحظات، دون هبّات دفاعية، إلا إنه ألحّ عليّ أن أقول ما عندي، ووعدني بأنه سيكون منصتًا حتى الرمق الأخير. وما حصل كان العكس تمامًا. مثلما توقعت وتنبأت تمامًا!
أخبرته بصراحة أن أسعاره تساوي أو تتجاوز قليلًا أسعار مطعم برجر «سيكشن-بي» ذي الشعبية الطاغية، وقبل أن أكمل تعليقي، سألني سؤالًا مباشرًا «بماذا تريد أن تقارنني؟»، أخبرته أن مطعمه مطعمٌ نظيف ولذيذ يخدم حيَّين في أبحر، وهو – مع تقديري واحترامي – ليس بمستوى «سيكشن بي» الذي تموضع في منطقة أخرى تسويقيًا وفي منتجاته، ولا عيب حقيقي في هذا الأمر (وأنا أعني ما أقول)، فإن كُنت ستقدم أسعار مرتفعة، فمن الواجب أن يكون المنتج مرتفعًا في جودته التنافسية، من التغليف، للإبداع في المكونات، للمنتجات، لحجم البرجر، وغيرها.
زعل الرجل من كلامي، وأخبرني إن كنت أقارنه بنفسي مع مطاعم البرجر الشعبية رخيصة الثمن، واعترضت على ذلك، محاولًا التبرير بأنه في مكانٍ ما في المنتصف. محل نظيف، لذيذ، يخدم المنطقة، لكنه ليس «جورميه»، وإن فكّرت بدعوة أهلي لبرجر لذيذ وغالي نسبيًا سأكون مستعدًا لسيكشن بي أو غيره، وليس لمحله، والعكس.
نصحته بالتالي:
- أن يخفض أسعاره قليلًا، لنتمكن نحن عملاء الحي من اتخاذ قرارات دورية أسهل ونطلب منه أكثر دون تذكّر الأسعار، لأنني لن أدفع من ٥٠٠ - ١٠٠٠ ريال على وجبات برجر جيدة وليست استثنائية، لدعوة بضعة أفراد من عائلتي بصراحة. أو أن يقوم برفع مستوى البرجر عنده لدرجة أعلى، مثل بقية محلات البرجر المعروفة. (رفض هذا الأمر قطعيًا، لأنه يعتقد أن برجره يوازي «الجورميه» برجر الآخرين، وهو ليس محلًا شعبيًا أو مطعم وجبات سريعة أمريكي).
- أن يُضيف برجر الدجاج ضمن القائمة، والسبب: أن البرجر يعتبر وجبة تجمعات، فإن كنّا عشرة أشخاص، طلب تسعة منّا برجر لحم، وواحد منّا برجر دجاج، فإننا سنضطر إلى اختيار مطعم آخر كبديل له، لعدم تنوع الخيارات. (رفض هذا الأمر قطعيًا، لأنه يعتقد أنه متخصص في اللحم فقط ولا يريد أن يخربط خطته ومنتجاته). واحترمت هذا الأمر.
- اقترحت عليه أن يضيف مطعمه ضمن تطبيقات التوصيل. (رفض هذا الأمر قطعيًا، لأن تطبيقات التوصيل حرامية). واحترمت هذا الأمر.
أخذ السيد الكريم نقاشي معه إلى سكّة أخرى، معتقدًا من كلامي أنني أستخف به وبجودة منتجاته ومطعمه، وأنا – والله العالم – حالتي هي العكس، أتمنى له النجاح لرغبتي في توسيع دائرة خيارات حارتي في أبحر من المطاعم الطموحة.
شرع بعدها في سرد حكايته، أنه لطالما كان شغوفًا بصنع البرجر حتى أقنعته زوجته وأقاربه بأن عليه أن يفتح مطعمًا، وها هو يحقق حلمه الآن (وهذا أمرٌ خطير فيه إسهاب في مكانٍ آخر، فالشغف والحب لا يعني النجاح إطلاقًا، ولي حلقات بودكاست تطرّقت لهذا الموضوع من أكثر من زاوية)، وأخبرني بأنه يجلب أفضل أنواع المكونات جودة، من الخضار واللحوم، والصوصات إلخ. (وأخبرته بصراحة أن هذا الأمر بالتحديد «اسطوانة مشروخة»، فإن أمسكت أي صاحب مطعم وسألته عن المكونات، سيعطيك نفس الإجابة بالضبط، وأعتبر أمر المكونات من الأمور البديهية التي لا تحتاج إلى استعراض).
طلب مني كعربون تقدير أن أقبل منه وجبة مجانية كتعويض عن مفاجأتي لسعر وجباته، شكرته وقلت له اعتبرها وصلت. واتفقنا – بأدب طبعًا – قبل أن نقفل الخط أن كل ملاحظاتي غير مقبولة، ولها تبريرها من وجهة نظره.
دعوت له بالتوفيق والنجاح، وكانت تلك المرة الوحيدة التي طلبت من ذلك المطعم.
بعدها، إن اشتهيت برجر جورميه، سأطلب من سيكشن بي أو غيره من مطاعم البرجر المعروفة، وإن اشتهيت شيئًا سريعًا أو رخيصًا سأتوجه إلى ماكدونالدز أو ما يوازيه. وستظل خانة البرجر «النظيف واللذيذ» متوقفة في حارتنا حتى إشعار آخر.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.
