تخطى الى المحتوى

لماذا نحتاج للهدوء أكثر من أي وقت مضى؟

معركة اليوم الداخلية لدى الإنسان مع نفسه لكي ينمو هي ليست بكل تأكيد في توفير المزيد من الوقت.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
3 دقائق قراءة
لماذا نحتاج للهدوء أكثر من أي وقت مضى؟
Photo by Sage Friedman / Unsplash

تحدّثت في مقالات سابقة عن أن أكثر ما يفتقده الإنسان في العصر الحديث لينمو على الصعيدين الشخصي والمهني هو إيجاد وقت يومي بانتظام لا يقوم فيه بفعل أي شيء سوى الجلوس والتفكير (أو المشي والتفكير).

في الولايات المتحدة، ومنذ عام ٢٠١١ حتى عام ٢٠١٥م، أظهر مقياس إنتاجية العمل الرسمي الحكومي نموًا سنويًا بنسبة ٠.٤٪ فقط في الإنتاج لكل ساعة عمل. هذا هو أدنى مستوى خلال خمس سنوات منذ الفترة بين ١٩٧٧ إلى ١٩٨٠م، وأقل بكثير من متوسط ٢.٣٪ منذ الخمسينيات.

نقف أمام انخفاض واضح لمعدل نمو والإنتاجية العامة للأفراد في الوقت الذي يُفترض به أن نكون على النقيض من ذلك، مع وجود الإنترنت وسهولة التواصل وإمكانية إنجاز معظم الأعمال المكتبية من المنزل أو من أي مكان في العالم. إنجاز الأعمال (كمفهوم) لم يكن تاريخيًا أسهل مما هو عليه اليوم، وإمكانية الجلوس مع أحبائنا والقيام بهواياتنا والتعرف على أنفسنا أكثر والابتعاد عن التوتر من ناحية نظرية يُفترض أن يكون جزءًا من نمط حياتنا اليومي، إلا أن الواقع ليس كذلك. ولم يعد الأمر مهنيًا فقط، بل حتى أن جزءًا كبيرًا من الواجبات الأسرية في التسوق لا تتجاوز في وقتها وقدرة إنجازها دقائق قليلة على أحد مواقع بيع الخضروات أو السوبرماركت أو أمازون أو نون كي يصل إلينا ما نشتريه في وقتٍ قياسي.

ويعلّق الاقتصادي مورجان هوسل في مقالته «عمل كسول، عمل جيد»:

في عام ١٨٧٠م (في عهد الثورة الصناعية)، كانت ٤٦٪ من الوظائف في الزراعة، و٣٥٪ في الحرف أو التصنيع، وفقًا للخبير الاقتصادي روبرت جوردون. عدد قليل من المهن هي التي اعتمدت على عقل العامل. لم يكن يجب أن يُفكر، بل يجب أن يجتهد دون انقطاع في يومه، عمله هو النتيجة الظاهرة والملموسة.
كان "جون دي. روكفيلر" أنجح رجل أعمال في كل العصور (بلغة الأرقام). كان أيضًا منعزلاً، يقضي معظم وقته بمفرده. نادرًا ما يتكلم، ويتعمّد أن يكون الوصول إليه صعبًا ويلتزم الصمت عندما تلفت انتباهه، سياسة الباب المفتوح ليست في قاموسه. قال أحد عمال المصفاة الذي كان يسمع من حين لآخر روكفلر عندما يتحدث ذات مرة: "إنه يسمح للجميع بالتكلُّم، بينما يجلس في الخلف ولا يقول أي شيء. لكن يبدو أنه يتذكر كل شيء، وعندما يبدأ بالحديث يضع كل شيء في مكانه الصحيح".

لم تكن مهمة روكفلر حفر الآبار أو تحميل القطارات أو نقل البراميل (وهي صُلب أعمال شركاته). كانت مهمته اتخاذ قرارات جيدة. واتخاذ القرارات يتطلب، أكثر من أي شيء آخر، وقتًا هادئًا يختلي فيه مع رأسه للتفكير في مشكلة ما. رأسه كان المكان الذي أمضى فيه معظم وقته وطاقته». يُضيف هوسل: «كان هذا أمرًا مميزًا في عصره. تطلبت جميع الوظائف تقريبًا خلال وقت روكفلر القيام بالأشياء يدويًا».

انقلبت الآية اليوم؛ أكثر من نصف الوظائف في الاقتصاديات الحديثة لا تتطلب تدخلًا يدويًا. يعمل كاتب هذه السطور في شركة «خدمات لوجستية» ولم يقم ولو لمرة في حياته -وتقريبًا أيًا من زملائه- بلمس أو مشاهدة شُحنة أو حاوية واحدة كانت قد عُبِّئت أو تركت الميناء متجهة إلى ميناء دولة أخرى أمام عينه، هذه الشركة تخدم سنويًا أكثر من خمسين عميلًا مختلفًا مع آلاف الحاويات المشحونة بأعلى كفاءة. كل الأعمال تُنجز من خلال التواصل والتنسيق الإلكتروني، من خلال المكاتب أو المنازل، دون تدخلات يدوية مباشرة، سوى عدد محدود من العمال في الميناء أو في المطارات.

الإلهاء

كثرة الملهيات وتنوع قنوات الترفيه ربما يكون هو ما استبدل أكثر ما يفكر فيه الإنسان المعاصر الطموح: المزيد من الإنتاجية. في حين أن الكفاءة وإيجاد الحلول الحياتية والمهنية لا تتطلب أحيانًا سوى التعامل بمزيدٍ من الهدوء في كل ما نقوم به. وتاج الهدوء هو التفكير.

لا يستطيع موظف اليوم أن يستأذن مديره لكي يقوم بنزهة لمدة ساعتين في أوقات العمل كي يفكر في خطة وتنفيذ أكثر كفاءة لمهامه العملية، ولا يمكن ضمان استمرارية الموظف على كرسيه إن رفض بشكلٍ متواصل عدم حضور الاجتماعات المطولة سيئة الذِكر، بل العكس.. مع قرب اختفاء آثار الجائحة، أصبحنا أكثر قُربًا من أجهزتنا الذكية التي يمكن من خلالها أن يتواصل معنا زملاؤنا على مدار الساعة، معتقدين أن العمل من المنزل ظاهريًا أقل ضغطًا علينا.

«أستغرق وقتًا في المشي لمسافات طويلة على الشاطئ حتى أتمكن من الاستماع إلى ما يجري داخل رأسي، إذا كان عملي لا يسير على ما يرام، فأنا أستلقي في منتصف يوم العمل وأحدق في السقف بينما أستمع وأتخيل ما يدور في رأسي». -آينشتاين

لم تكن هذه إجابة إنسان كسول في عمله عندما سُئل عن أوقاته التي يقضيها لحل مشاكله، إجابة آينشتاين قد تُفسِّر أسباب خروج إنجازاته العملية، وقد تكون أيضًا إجابة على سؤال أكاديمي تقليدي وهو «لماذا لا يخرج معظم الأكاديميين في العالم باكتشافات أو استنتاجات مؤثرة؟» وهل يصح أن نفترض أن الإجابة قد تكون «انشغال معظمهم بالتدريس وليس الجلوس ساعات أطول للتفكير؟».

أراقب عن كثب حياة الكثيرين من رجال الأعمال في حياتي المهنية، ونادرًا ما يُلاحظ انتقال الكثير منهم لمستويات جديدة في أعمالهم وتوسّعها، بسبب أنهم مشغولون طيلة الوقت ودومًا؛ بالأعمال التي تُشغِل وقتهم وأيديهم وإيميلاتهم أكثر من عقولهم ولحظات الهدوء التي يفترض أن تُخصّص ولو قليلًا للتفكير.

معركة اليوم الداخلية لدى الإنسان مع نفسه لكي ينمو هي ليست بكل تأكيد في توفير المزيد من الوقت. بل في تخفيف الإلهاء، والبحث عن المزيد من دقائق التفكير بدلًا من الانصياع للترفيه، التخفيف من التواصل الاجتماعي وزيادة التواصل الفعّال.

لكي ننمو، نحتاج أن نكون أكثر من أي وقتٍ مضى برفقة الكُتب والخلوة والأفكار والكثير من الأعمال العميقة بدلًا من إتاحة النفس لتكون عرضة للعمل في أي وقت وتحت أي سقف.

لكي ننمو نحتاج لهدوء أكثر.


نُشِرت هذه المقالة سابقًا على موقع: «حجر ورقة مقص».

مقالات عن الانتاجيةسيكلوجيا الإنسان

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

Gemini بدلًا من Perplexity

صدمة الأربع ساعات

Gemini بدلًا من Perplexity
للأعضاء عام

قائمة نسيم طالب للثراء الحقيقي

أفكار سريعة لأهداف حقيقية هذا العام

قائمة نسيم طالب للثراء الحقيقي
للأعضاء عام

الشدة والاستمرارية

ربما سيكونان مُفيدان إن تعلّمنا الفرق بينهما.