تخطى الى المحتوى

انفراط العقد: نهاية امبراطورية أمريكا؟

لا تعد كتابة هذه السطور تشاؤمًا بقدر ما هي محاولة جدية لقراءة المستقبل واستشرافه

عمار أحمد شطا
عمار أحمد شطا
انفراط العقد: نهاية امبراطورية أمريكا؟
Photo by Leif Christoph Gottwald / Unsplash

مقدمة:

هذه المقالة الاستثنائية (مقالة ضيف)، خارج سياق المقالات المنشورة في المدونة. تشجّعت على نشرها بعد سلسلة مناقشات مع الأستاذ/ عمّار أحمد شطا، عن الوضع الراهن في الولايات المتحدة. شخصيًا لا أتناول أي مواضيع سياسية في منشوراتي، إلا إنني كباقي العوام، أهتم بالجانب الاجتماعي والإعلامي الذي يتأثر بشكلٍ مباشر من الوضع الاقتصادي والسياسي.

الولايات المتحدة في وضع غريب وغير مفهوم بالنسبة لي، فلستُ اقتصاديًا أو محلل سياسي، إنما الفضول كان هو الدافع الأكبر للبحث عن إجابات لأسئلة كثيرًا ما تتبادر إلى ذِهني، أحد هذه الأسئلة هو: لماذا نرى كل هذه الفوضى في المشهد الإعلامي الأمريكي، خصوصًا في الجانب الاقتصادي؟ انتهت إجابة هذا السؤال بهذه المقالة، بقلم أبو محمد.

قراءة ماتعة

أحمد


الأوطان لا تختفي إنما تختفي أو تتغير الأنظمة التي تحكم تلك الأوطان.. وبتغير الأنظمة قد تتغير حدود تلك الأوطان. الولايات المتحدة الأمريكية في طريقها إلى تغيير هيكلي كبير في نظامها الحاكم.‎

تسقط الأنظمة بانهيار أربعة أركان.. ‎

الأول، فقد الثقة بالنظام الحاكم من قبل المجتمع. تعاني الولايات المتحدة الأمريكية من فقد الثقة في آلية انتقال السلطة، والشك في نتائج الانتخابات منذ انتخابات العام ٢٠٠٠م. فقد الثقة أيضًا قد يكون بسبب تمحور نظام الحكم حول طبقة ضيقة من المستفيدين؛ المواطن الأمريكي فقد الثقة في النظام لهذه الأسباب.

أو كما تقول الإعلامية السياسية، ميشيل مارتن:

«الديمقراطيين يخوضون معركة حامية حول القيود الجديدة التي يحاول الجمهوريون فرضها على التنظيمات والانتخابات. يسعى الجمهوريون لتشديد الإجراءات الانتخابية. في المقابل يرى الديمقراطيين أن معظم هذه القيود ظالمة وعقابية وعنصرية التوجه، لإنها تستهدف الحد من اندفاع الأقليات والفئات الأكثر فقرا من المجتمع للمشاركة والانخراط في اللعبة الديموقراطية؛ الولايات المتحدة الامريكية لم تشهد قبل العام ٢٠١٦م هذا الانقسام الهائل بين الجمهوريين والديمقراطيين عندما يتعلق الأمر بآلية التصويت ومصداقية العملية الانتخابية».

الركن الثاني؛ فقد النظام الحاكم للمصداقية. يعاني النظام الحاكم الأمريكي منذ عقود من أثقال متراكمة من الكذب والتدليس الصريح وإخفاء الحقائق، كما يعاني النظام الحاكم من النفاق السياسي المهيكل في صلب هيكلته.

ومن أمثلة ذلك؛ قضية اغتيال الرئيس الامريكي الاسبق كيندي عام ١٩٦٣م. وأحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م، واتهام روسيا بالكذب ومخالفة القانون الدولي بالرغم من حجم التلاعب الإعلامي التاريخي الذي ارتكبته أمريكا في حق المجتمع الدولي فيما يخص امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، وكذلك احتلال الولايات المتحدة الامريكية للعراق وأفغانستان وبقاءها في الأراضي السورية دون وجه حق.

أما الركن الثالث المسبب لسقوط الأنظمة فهو انقسام المجتمع بشكل حاد الى طرفي نقيض! هذه النقطة تحديدًا تحدثت عنها باستفاضة في مقالي السابق، المؤرخ في: ٢٢ يناير ٢٠٢٠م، حيث اشرت الى أن الانقسام الحاد في المجتمع الامريكي قد بدأ بالفعل.

واليوم، وبعد أكثر من عامين على كتابة المقال، تتداعى الأحداث متسارعة لتؤكد -دون مبالغة- عن استعداد الرجل الأبيض صراحة للدخول في ثاني حرب أهلية في تاريخ الولايات المتحدة. لقد رأينا كيف أن نتائج التصويت الأخير عام ٢٠٢٠م والتي أتت لصالح الرئيس الحالي (جو بايدن) قد أشعلت فتيلًا من الفتنة، تم تداركها بعد ارتباك واضح، ونتج عنها أعمال شغب فاجأت القاصي والداني باقتحام أنصار الرئيس السابق مبنى الكونغرس.

هذه النتائج الانتخابية -رغم تنظيمها الظاهر- لم تكن كافية لإقناع أغلب أفراد الشعب بنزاهتها أو التسليم بصحتها على أحسن تقدير. وهي بلا شك نواة لفتنة كبرى قادمة، ونار مختبئة تحت رماد الكبت الإعلامي الذي لا يتحدث صراحة حتى الآن عن حرب اهلية محتملة على الأبواب.

الركن الرابع؛ والأهم في انهيار الأنظمة، والذي نشاهده أمام أعيننا هذه الأيام، هو فقد الثقة في أداء البنك المركزي وآلية عمله، وهي عادة ما تنتهي بانهيار قيمة العملة الوطنية!

تمر الولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة منذ تأسيسها بتدني واضح في الثقة بفعالية البنك المركزي الأمريكي في إدارة السياسة النقدية واستقرار النظام المالي (بنك الاحتياط الفيدرالي).

اذ يعكس لنا أداء الأسواق وبالأخص استمرار ارتفاع وتيرة المغامرة في أسواق المال، والاندفاع نحو العملات المشفرة واستمرار ارتفاع نمو مبيعات المنازل، وكذلك ارتفاع مستويات التوظيف واستمرار انخفاض مستويات البطالة إلى أرقام متدنية، لم تحدث قط في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، إلى عدم اكتراث المستثمرين بسعي الفيدرالي للحد من السيولة المفرطة في الاقتصاد والنمو المتسارع في أسعار المواد والطلب على العملة.

وهنا يجب أن نتوقف قليلًا لنشرح الدور الهام الذي تلعبه إحدى أهم النظريات الاقتصادية التي تبناها الاقتصاديون الكلاسيكيون الجدد وهي نظرية “التوقعات الرشيدة”. إذ تركز النظرية على السلوك الإنساني المحتمل من كافة المتعاملين بالسوق على نحو يحقق مصلحتهم كأفراد وكمجموعات وفق توقعاتهم الرشيدة، خاصة فيما يتعلق بالاقتصاد الكلي والذي تتحكم فيه -نظريًا- المؤسسات المالية التابعة للنظم الحاكمة.

تتحدث النظرية المذكورة عن الدور الكبير الذي تؤديه التوقعات الرسمية لمؤسسات الدولة في التأثير على سلوك المتعاملين في السوق.

تشرح النظرية الدور الفعال الذي تستطيع المؤسسات الاقتصادية -مثل البنك المركزي الأمريكي- أن تلعبه في بناء توقعات اقتصادية مستقبلية استشرافية ثم تتطابق ذلك مع الواقع اعتمادًا على الخبرات التاريخية المتراكمة والمعلومات المتوفرة لدى تلك المؤسسات.

الأمر الخطير هنا والذي يحصل اليوم ولأول مرة هو فشل الفيدرالي الامريكي في إقناع السوق بتوجهاته! فالبنك المركزي يسعى إلى إقناع المستثمرين بأن الحد من التضخم وتضييق السيولة والحد من الإقراض المصرفي برفع معدّل الفائدة يجب أن ينعكس على سلوكهم المالي والاستثماري بالتسلّح بالمزيد من الحذر والتحفّظ، إلا أن ما يحدث عمليا هو العكس تمامًا!

فالاقتصاد الأمريكي يواصل توهجه وأسواق المال ما زالت تميل الى المغامرة والاندفاع، وكأنها تغني في واد بعيدًا عن التوجه الرسمي للبنك المركزي الذي يغني في واد آخر.

يمر الاقتصاد الامريكي اليوم بأوضاع شبيهة بتلك التي سبقت انهيار السوق الأمريكي عام ٢٠٠٨م. ففي عرض تقديمي في شهر يوليو ٢٠٢٢م، قال رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي في سانت لويس جيمس بولارد: «إن وضع الاقتصاد الكلي الحالي للولايات المتحدة يضعف مصداقية بنك الاحتياط الفيدرالي فيما يتعلق بهدف الحد من التضخم»، ويضيف: «يتزايد عدد الأشخاص الذين يرون أن الاحتياطي الفيدرالي لم يعد قادرًا على التحكم في توجهات السوق، كما كان يفعل من قبل. ووسط هذا الانهيار في مستوى الثقة العامة، أصبح من الضروري أن نفهم الاتجاه التاريخي الطويل الذي قاد الاقتصاد الامريكي لما وصل إليه الآن».

هذا الأمر، إن استمر، سيكمل حلقة انهيار النظام الأمريكي اقتصاديًا بعد أن انهارت الأركان الثلاث الأولى من قبل.

لا تعد كتابة هذه السطور تشاؤمًا بقدر ما هي محاولة جدية لقراءة المستقبل واستشرافه، ولا يمكن للمتخصصين انكار تعدد وتراكم التحديات أمام النظام الحاكم في الولايات المتحدة الامريكية التي أصبحت ظاهرة للعيان أكثر من أي وقتٍ مضى، الأمر الذي سيكون له أثرٌ بالغٌ في تغيير المشهد الأمريكي الحالي، اقتصاديًا وسياسيًا، كما سيكون زلزالا يغير خارطة المصالح والتحالفات السياسية والاقتصادية العالمية لعقود قادمة.

شؤون اجتماعية

عمار أحمد شطا Twitter

مؤسس شركة الخبير المالية، وغترة، ودار المراجعة الشرعية. وشريك مؤسس في ڤرمادا. صاحب كتاب مئة تحت الصفر الحائز على جائزة معرض الرياض الدولي للكتاب. CFA.

تعليقات


المقالات ذات الصلة

للأعضاء عام

لماذا تطرد برشلونة سُيّاحها؟ (الموضوع أعقد مما نتصور)

ربما يكون أحيانًا تغيُر نمط حياتهم البسيطة بشكلٍ جذري سببًا كافيًا لعدم تحمّل الضيوف!

لماذا تطرد برشلونة سُيّاحها؟ (الموضوع أعقد مما نتصور)
للأعضاء عام

قصة الحادث الذي لم يغيّر حياتي - الجزء الأول

تريدون قصة؟ سأحكي لكم واحدة. كُنت أدرس في المرحلة الثانوية عام ٢٠٠٤م. اتصلت على أحد الأصدقاء (الذين تخرّجوا)، واتفقت معه أن يمر عليَ صباح اليوم التالي ليقلّني من البيت بسيارته في تمام الساعة السابعة صباحًا، في الفترة التي كان فيها معظم من في سني لا يملكون

قصة الحادث الذي لم يغيّر حياتي - الجزء الأول
للأعضاء عام

موعد مع طلال

«لماذا تكتب؟» كان هذا هو السؤال الخطير والأخير، وأنا أهِمْ بالخروج مستعجلًا للذهاب إلى عشاء بالقرب من أُبحر.

موعد مع طلال