تخطى الى المحتوى

الشهرة لا تعني المال

أحمد مشرف
أحمد مشرف
1 دقيقة قراءة

أقابل آنسة من معارفي في إحدى مهرجانات السينما، أسألها عن حالها وحال السينما، وعن حال الجميع هنا، لتخبرني: «هل تعلم ما هو القاسم المشترك بين كل من تراهم هنا؟ الجميع أنيقين. والجميع مفلسين».

ثم أقابل أحد الأصدقاء، يحكي لي عن بضعة أشخاص معروفين في الوسط الفني، يعانون – رغم شهرتهم الواسعة – من تحدياتٍ مالية، ومن محاولة الوصول إلى فهمٍ واضح تجاه ما اختاروه مهنيًا لأنفسهم.

أسأله عن الشخصية الأولى، وهو شخص مشهور في الإعلام منذ أكثر من عشر سنوات، ويحكي عنه – بعد أن تعرّف عليه من كثب – أن مجاله الإعلامي لا يغطي احتياجاته الرئيسة بشكلٍ مُستدام لفترة طويلة، نعم تأتيه الفرص والهبرات المالية من فترة لأخرى، إلا هذه الظروف لا تصنع بأي شكل استقرارًا طويل المدى.

شخصية أخرى، عادت لممارسة الطب بعد أن تركت التمثيل. هذه الشخصية لحقت نفسها في الوقت المناسب.

وآخر، لا يمكن وصف حالة بدقة من باب التأدب، أصبح مستعدًا للقيام بأي شيء من أجل الحصول على دخل مستدام، لأنه حسبما كان يعتقد منذ وقتٍ طويل أن الشهرة تساوي الأموال. ولم يكن للأسف هذا الواقع.

سألت صديقي عن الحل؟ ليخبرني أن العودة للأعمال التقليدية هي السبيل الأبسط (وليس الأسهل) للنجاة. على الأقل على المدى الطويل. الأعمال التقليدية في الوظائف، وبناء الأعمال، وقبول الكثير من التضحيات التي لا نحبها بالضرورة.

لا يمكن للإنسان خلق دخلٍ مادي مستدام إن لم يخلق قيمة مستدامة للآخرين. هذه المعادلة ببساطة. وظيفتك وإن كانت ذات دخلٍ قليل، فهي مستدامة لأنك بشكلٍ ما تُعطي شخصًا آخر خدمة مستمرة. لا يمكن للإنسان أن يعيش على المؤقتات. لا حياة تُبنى على آمالٍ متقطّعة.

وفيما يخص الشهرة والإبداع عمومًا، فإن المبدع إعلاميًا وفنيًا يُبدع لأن هناك دافعًا خفيًا داخله يجعله يحاول أن يخلق «المزيد»، دافع لا يرتبط بالمال مباشرة. هذا «المزيد» وإن كان كثيرًا فهو مؤقت!

يجلس الكاتب أشهرًا يكتب كتابه. يشتريه القارئ مرة واحدة. يقرأه مرة واحدة. وينسى الكاتب لفترة طويلة. هذه المرة الواحدة مهما تكررت فإن فرصة الاستدامة المالية معها ضعيفة!

يشاهد الإنسان الفيلم مرة واحدة، الذي يمثّل فيه الممثل مرة واحدة، ثم يُنسى مع زحمة الحياة.

كل فنان لا يضمن مقعده إلا من خلال المثابرة المستمرة، ليس اعتمادًا على فنه ماليًا على المدى الطويل، بل على استقرار من دخلٍ آخر مستدام (معظم الحالات) يضمن له معيشة كريمة.

الفن فعل، والأعمال ردة فعل.

نحتاج الأفعال وردّات الأفعال في حياتنا.

نحتاج الاستدامة في الأساسيات، ونحتاج إلى الإبداع أكثر من أي وقتٍ مضى، بعيدًا عن حاجتنا له كأساس تُبنى عليه حياتنا.

الشهرة، والظهور في الإعلام، والإبداع، لا يعطون المال، أو لا يعطون مالًا مستدامًا كثيراً غير المنقطع.

وكل الخير في القليل الدائم، وكل الصِّعَاب في الكثير المنقطع.

مقالات عن سلوك الفنانين

أحمد مشرف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المقالات ذات الصلة

للأعضاء عام

دعوة للاهتمام بفترة التجربة

بغض النظر عن المدة التي قد تستغرقها تجربة الأشياء والمهام والوظائف، وحتى العلاقات الجديدة (سواء الرومنسية أو المهنية)، فإنها ستكشف عن بعض الاختلافات بين الأفراد. هذه الاختلافات مهما حاول كل الأطراف إخفاءها، سوف تتجلى في التعبير عن أعماق الذات، التي قد لا تكون بالضرورة سلبية، بل متنوعة. فترة التجربة، هي

للأعضاء عام

لا بأس بالتكرار

كلامي اليوم موجّه للفنانين بكل حِرفِهم. لا بأس بالتِكرار. حياتك عبارة عن أيام عديدة، وعندما يطّلع على أعمالك المتابعين فإنهم ليسوا بالضرورة هم نفسهم الذين اطّلعوا على أعمالك قبل سنتين أو ثلاثة. وبطبيعة الحال، هناك أعمال معينة تهتم بها أنت شخصيًا أكثر من

للأعضاء عام

المنافسة صعبة!

أحد الأسئلة المتكررة لكل إنسان يعمل في «صناعة المحتوى» (ولو أن مصطلح صناعة محتوى لا يروقني بالمناسبة) هو: كيف يمكنك الاستمرار في العمل وإظهار/ بيع أعمالك في ظِل المنافسة المحمومة هذه الأيام؟ الإجابة المختصرة صعبة. لأن المنافسة ليست في نفس الملعب من الأساس، فالمعادلة ليست كتابًا ضد كتاب،