تخطى الى المحتوى

بعض الوهم؟

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
2 دقائق قراءة

تناقشت مع صديقين (بالصدفة) فكرة وجود «الهموم الاختيارية» المصاحبة لنا طيلة العُمر. مثل قرار تبنّينا لنمط غذاء صحي، أو وعدنا لأنفسنا بممارسة الرياضة -دون هدف محدد- طيلة حياتنا حتى نُعجِّز، أو حتى فكرة انجابنا لأطفال.

النجاح في رحلتنا مع تبنّي هذه الهموم يمكن لنا النظر لها من زاويتين:

١. أننا إن اعتبرناها همومًا أصلًا فستكون هموم. وإن اعتبرناها اختيارات لطيفة فهي كذلك.

٢. أن الوهم باعتقادنا أننا سننجح فيها شيءٌ صحي في الحقيقة.

يشير «إم سكوت بيك» النفساني المعروف في كتابه The Road Less Traveled and Beyond بأننا في حالة إنجاب الأطفال مثلًا نعتقد أن همومنا تجاههم ستنتهي في وقتٍ ما. فنظن أنهم عندما يصلون لعمر الأربع سنوات سيكون بمقدورهم السير والتعبير والحصول على بعضٍ من الاستقلالية، مع وهم الاعتقاد إننا سنرتاح قليلًا بإدخالهم إلى المدرسة، ولكن ما يحدث أنهم يظلون عالقين في أذهاننا طيلة الوقت. ثم يكبروا ويدخلون مرحلة الجامعة ونوهم أنفسنا إننا سنرتاح قليلًا، لنحمل هموم تخصصاتهم ومصاريفهم الدراسية، ثم يتزوجون ويستقلون تمامًا، نظل نُفكر فيهم وفي أبنائهم وعلاقتهم بأزواجهم، وهكذا تمتد دائرة وهم الراحة إلى ما لا نهاية.

«الوهم هنا أمرٌ جيد في الحقيقة» كما يشير بيك. فهو الذي يُسلِّحُنا بالصبر ويقودنا خطوة إلى الأمام في كل مرة نوهم أنفسنا بالعكس. هذا الوهم، في واقع الأمر جزء لا يتجزأ من حياتنا، وبنظرة إيجابية شفافة؛ هو أمر لطيف. فلما علينا أن ننظر بأن مشاكل حياة أبناءنا بمعزل عن جمال الرحلة؟

نمط الحياة الصحي المصحوب ببعض قطع الشوكولاتة الكبيرة وبضعة أيام من الكسل تُنسى عندما ننظر إلى حياتنا بالصورة الأكبر، كذلك هموم الأبناء.. نتناساها عندما نستمتع بمشاهدتهم وهم يكبرون بجانبنا.

الهموم الاختيارية (أو الحياة السعيدة في اختيار الألم المناسب لنا) تتحول إلى صورة أكبر الجمال والامتنان والمعنى إن توقف الإنسان بالنظر إليها على أنها «هموم» أو «مسؤوليات» فقط؛ قدر كونها جزء من الحياة.. حياة نختارها لأنفسنا.

وهنا، لا يجب حتى مع وهم الاعتقاد إننا سنرتاح في يومٍ أن نتعامل معها على أنها واجب أخلاقي، هي على الأغلب شيء لطيف اخترناه لأنفسنا، وإلا لما اخترناه في المقام الأول.

كان الله في عون الجميع

 

سيكلوجيا الإنسان

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المقالات ذات الصلة

للأعضاء عام

لا يسأل المدربين لاعبيهم: ما الذي تشعرون به؟

هل يكون التعبير المفرط عن المشاعر واليقين بسوء النفسية (خصوصًا لدى اليافعين) مفيد، بنفس القدر الذي يجب فيه أن يحاولوا أن يتجاهلوه بالانسجام مع مسؤوليات حياتهم اليومية؟ لا نجد في عالم الرياضات التنافسية أن المدربين حريصين على استكشاف مشاعر متدربيهم بنفس القدر على حِرصهم لإنجاز جلسة التدريب التالية،

لا يسأل المدربين لاعبيهم: ما الذي تشعرون به؟
للأعضاء عام

لا يسأل الأطفال عن معنى هذه الحياة

«ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش؟ لا يوجد طفل يسأل نفسه هذا السؤال. بالنسبة إلى الأطفال، الحياة واضحة بذاتها. الحياة غنيّة عن الوصف: سواء كانت جيدة أو سيئة، لا فرق. وذلك لأن الأطفال لا يرون العالم، ولا يلاحظونه، ولا يتأملون فيه، ولكنهم منغمسون بعمق في العالم لدرجة أنهم

لا يسأل الأطفال عن معنى هذه الحياة
للأعضاء عام

مكان الغرباء والأحلام خلف الجميع

في عام الكورونا، زرت هذا المكان أكثر من أربع عشرة مرة. لا أحد أعرفه زاره بنفس القدر.

مكان الغرباء والأحلام خلف الجميع