تخطى الى المحتوى

أزمة منتصف العُمر شكل من أشكال الكوميديا السوداء

مقالة ساخرة عن العرض والطلب

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
أزمة منتصف العُمر شكل من أشكال الكوميديا السوداء
Photo by Erik Mclean / Unsplash

يعلم مَن في عُمري (نهاية الثلاثينيات) أنه يقترب يومًا بعد يوم من تهديدٍ بتلقيه قذيفة على شكل كلمة «عمو» أو «خالة» من رجال عشوائيين في الشارع أطول منه، وأصغر منه ببضع سنين، لا تتجاوز العشر أو الخمس عشرة. ومسألة اللقب المفاجئ الذي سيُوصم به مسألة وقت، حتى ينسجم معه ويستسلم لواقعه. تمامًا مثلما حصل مع الملحن والممثل القدير عُمر مراد في قصة حكاها عنه الكاتب عُمر طاهر، عندما وجد فتاة شابة جميلة عند المصعد، لتتحرك بداخله «روح الدنجوان» والفنان الذي اعتاد أن يكون محط الأنظار، فقام بتعديل هندامه، وشفط بطنه للداخل، وحاول أن يبدو في كامل لياقته وأناقته ليجذب انتباهها، لِيُفاجَأ بسؤالها: «حابب تطلع الدور كام يا عمو؟». لتنزل الكلمة عليه كالصاعقة، جعلته يدرك أن زمنه قد ولى، وأن الصورة الذهنية التي كان يحافظ عليها لنفسه كشاب مفعم بالحيوية والرقص (كما كان يظهر في أفلامه) قد انكسرت أمام واقع الكِبر في السن.

١. في معرض الكتاب عام ٢٠١٦م، كُنت قد دخلت للتو نادي الثلاثين. أتت فتاة لطيفة، طلبت منّي توقيعًا لنسختها من كتاب ثورة الفن، وبعد أن تلقّفتها، أخبرتني على استحياء عن اللقب الذي يُفترض بها أن تناديني به، وقبل أن أُجيب، أعربت عمّا فكّرت به، وقالت: «هل أُناديك عمّو؟»، وبالطبع لأن ردة فعلي كانت مبالغًا بها، فقد قررت أن تقفز مباشرة إلى «أحمد» حاف دون تردد لاستكمال الدردشة. علمت منها أنها من مواليد ١٩٩٩م، وكونها ابنة السابعة عشرة عامًا آنذاك قد يؤهلها نظريًا أن تُصبح أمًّا في وقت قريب، مما جعلني مستريحًا لفكرة أننا في نفس حيز التهديد.

كان في الحقيقة شعورًا مبكرًا لهذا الهُراء! 

٢. أقف أمام كاونتر طلبات المقهى مع صديقي العزيز راكان الثبيتي، الذي زارني من الرياض قبل عامين، أُخبِره بأن أحد شركاء هذا المكان صديقنا المشترك عبد الله الذي زاملنا مرحلة المتوسطة. وللتأكد من المعلومة، سألت الفتاة الجميلة والمهذبة التي كانت تقف خلف الكاشير، لتخبرني بأن مَن أتحدّث عنه في الحقيقة هو أبوها! ضحكت طبعًا وأخبرتها بأن هناك بالتأكيد تشابه أسماء، لأنني أنا نفسي كُنت من مجموعة الشباب الذين اختاروا أن يتزوجوا في سنٍ مبكرة (٢٤ عامًا) وقد رُزقت بابنتي سيرين مباشرة، وهي تبلغ في ذلك العام الحادية عشرة من عمرها، ومن غير المنطقي أن تكون هذه الأنثى الكاملة أمامي ابنة لزميل بنفس عُمري. قاطعتني متصلة على والدها، لتخبره – بعد أن وضعته على مكبر الصوت - أن هناك شخصًا أمامها يدّعي أنه صديقه، وفور نطقي لكلمة «ألو» انطلق بالتهليل والترحيب: «هلا يا أبو سيرين يا مرحبا بك». هذا التهليل جعلنا أنا وراكان نقف في حالة ذهول، لم نتمالك أنفسنا في إخفائها. سلمت عليه، وشكرت الفتاة، وأخذنا طلباتنا ونحن ساكتين، ليستمر الصمت للحظات بيننا، ويخبرني دون مقدّمات: «لقد هرِمنا؟». حالة الذهول بالنسبة لراكان كانت أكبر، فقد كان للتو قد رُزق بطفلته الأولى الجميلة لولوة، ولا أعرف إن كان عقله قد استطاع هضم الموقف.

بالطبع لم أتجاوز الموضوع بدوري! عُدت للاتصال بوالد الفتاة، وسألته سؤالًا مباشرًا: «من أين أتت؟»، ليضحك ويخبرني بأن أسرته أقنعته بالزواج فور تخرّجه من الثانوية، قبل ذهابه للدراسة في الخارج، لتحمل زوجته بطفلتها الأولى فور وصولهم لبلد الابتعاث وهو حرفيًا لم يدخل نادي العشرين عام ٢٠٠٧م. كان من المؤسف شعوري بالإرباك الواضح أثناء خروجي من المقهى في محاولة توديع الفتاة، وترددي بقول «نشوفك على خير يا.. بنتي!».

التقيت بصديقي عبد الله بعدها في إحدى المناسبات، وأخبرني أن هناك معاناة جديدة بدأت تظهر له في حياته، وهي «كثرة خُطّاب البنت»، والتي لا يزال يراها صغيرة ليس فقط على الزواج، بل على السيرة نفسها! وبالطبع أخبرته بأنني أتفهّم ما يمرُّ به، كنوع من التعاطف الصادق؛ كوني أبًا لثلاث فتيات. إلا أن الواقع في النهاية يفرض نفسه علينا. فهو بلغة الأرقام شاب، وبلغة الحقيقة مهدد بتلقي قذيفة لقب «الجد» في أي وقت قريب.

٣. ننتظر أنا وشقيقاتي واقفين قبل عامين مناداتنا إلى العشاء الذي دُعينا إليه من قِبل الشاب والصديق العزيز أُسامة برفقة عائلته وأرحامه ونحن في إحدى حدائق إسطنبول. استيقظ طفل رضيع كان نائمًا في مكانٍ ما خلف طاولات الجلوس، لتذهب والدته (زوجة أُسامة) التي كانت تقف معنا، لحمله وجلبه، وعندما سألتها عن اسمه، أجابتني: «زيدان». علّقت باستخفاف بأن زوجها على ما يبدو مُحِب لكرة القدم، وإلا مَن في هذا الزمن سيُسمي ابنه على اسم غير متداول كهذا!؟ لتُجيبني أنه بالفعل شغوف بكرة القدم، ومحب مخلص للأسطورة زين الدين زيدان وقد سُمي الولد على اسمه. كان الأمر المُحير بالنسبة لي، معرفتي بأن أُسامة صغير في السن، وعندما سألته عن عمره، أخبرني أنه من مواليد ١٩٩٨م، نفس العام الذي سطع فيه اسم زيدان لتحقيقه كأس العالم مع منتخب بلاده برأسيتين قتلت منتخب البرازيل في المباراة النهائية. وعندما سألته كيف يعرف زيدان وهو لم يعِش أهم أيامه، ردَّ عليَّ ردًا مباشرًا: «كيف يا أستاذ أحمد!؟ أنا عشت أعظم أيام زيدان قبل بضعة أعوام، عندما حقق الثلاثية مع نادي ريال مدريد! هذا الرجل أسطورة حية».

كُنت أتحدث عن اللاعب. وكان يتحدّث عن المدرّب.

بالنسبة لي، لا يخرج موضوع النقاش عن الأعمار بكل مقبّلاته مثل: العُمر مجرّد رقم، الشباب شباب الروح، وإلخ من التعبيرات التصبيرية عن دائرة «الكوميديا السوداء». لأن الإنسان ببساطة يبحث عمّا يبقيه أكثر على الكرة الأرضية، ولعل السواد هُنا لا يحوم حول إحساس الإنسان بنفسه وروحه، التي لا تركض طرديًا مع ما يُخبره به عقله وجسده، لكن فقد السيطرة على ردّات فعل الآخرين وتجاوبهم معنا هو الأمر المربك.

مهما ادّعينا تقبّلنا، إلا أن شيئًا يخبرنا عندما نخوض النقاش حوله، بأننا نريد أن نبقى داخل سوق العرض والطلب، وليس خارجه. نحاول اقتحامه والتأكد من قدرتنا على اللعب فيه، تمامًا مثل الأطفال الذين يشتكون من إخوتهم الأكبر الذين لا يضمّونهم إلى اللعب معهم. ولكن بشكلٍ معاكس.

سيكلوجيا الإنسانشؤون اجتماعيةقصص قصيرة

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

اختيار أن نكون محسودين

متى يحتاج الإنسان إلى الحظ العاثر؟

اختيار أن نكون محسودين
للأعضاء عام

المدوّنة والحرب

رسالة نور من غزّة: عن شكل الحياة، وقت الفراغ، والحُب الذي يُسبب لنا الأحزان.

المدوّنة والحرب
للأعضاء عام

لماذا نحتاج للهدوء أكثر من أي وقت مضى؟

معركة اليوم الداخلية لدى الإنسان مع نفسه لكي ينمو هي ليست بكل تأكيد في توفير المزيد من الوقت.

لماذا نحتاج للهدوء أكثر من أي وقت مضى؟