بعض ذكريات ميامي ومباراة المنتخب القادمة
وعن التفرقة بين نمط الحياة الممتع والمريح.
استغرق الأمر مني يومين فقط، لأشعر بأنني في مكان أحبه عندما وصلت إلى ميامي في أغسطس ٢٠١٩م كمرافق لزوجتي المبتعثة وأسرتي. سرعان ما بنيت عدة صداقات مع شرائح مختلفة من الجيران الأمريكيين، منهم — وهم من أعدّهم بمثابة عائلة لي — عائلة ميسا المكونة من أمهم مارينا، وابنها بنجامين، وابنتها ناتالي (التي احتفلت بزواجها البارحة). وفينسنت، الرجل الأبيض الوطني الفخور بكونه رجلاً جمهوريًا من أصول إيطالية، والعاشق لفكرة الوطنية حتى النخاع، وهو يعمل كمحامٍ متدرب في ذلك الوقت، وأيضًا موظفًا في المارينز، في تقاطع عملي لم أفهمه جيدًا، مع وظيفته الجزئية كبائع في اشتراكات كومكاست.
طبعًا، على الجانب الآخر كان هناك صحبة واسعة من المبتعثين السعوديين وعائلاتهم، والذين تحولوا أيضًا إلى أصدقاء عمر رغم انتهاء فترة الابتعاث سريعًا في منتصف عام ٢٠٢١م.
كُنت وقتها (ولا زلت) أُصدم من كمية الشباب الذين يعانون من الـ Home Sick، والذين يتّسمون بعدم رغبة أو قدرة أو حتى اهتمام ببناء صداقات مع جنسيات مختلفة هناك، أو محاولة استكشاف الكثير مما يمكن استكشافه خلال هذه المدة الزمنية البسيطة التي سيقضونها نسبيًا في الولايات المتحدة، بل في أجمل ولاية في أمريكا (فلوريدا).
كان جدول نهاية الأسبوع منذ وصولي وحتى مغادرتي (حتى أيام كورونا) متخمًا على آخره؛ فمساء كل جمعة كنت أقسمه إلى ساعتين أو ثلاث ساعات متتالية، أوزعها بين فينسنت وعائلة ميسا وأصدقائي السعوديين للعشاء والبلوت، وأحيانًا سهرة بلاي ستيشن مع الصديق فهد المطيري، الذي أصبح مشهورًا اليوم بتعليمه الآخرين اللغة الإنجليزية. في حين أن منزلي يكون ممتلئًا على آخره، حيث تستضيف زوجتي وبناتي بعض المبتعثات السعوديات وبعض الجنسيات العربية الأخرى.
بعد وصولي بأقل من أسبوعين، حضرت مع بعض أصدقائي السعوديين — وهم الدكتور حسن الفيفي والصديق راني السنان ومهند ناصر وآخرون — مباراة ودية جمعت بين منتخبي البرازيل وكولومبيا في السادس من سبتمبر ٢٠١٩م، وكانت إحدى أسباب إقامة هذه المباراة الاحتفاء بملعب هارد روك ستاديوم الجميل، التابع للفندق الذي يحمل الاسم نفسه.
نفس هذا الملعب الذي ستقام فيه مباراة السعودية والأوروغواي في ١٦ يونيو ٢٠٢٦م. وعندما عرفت هذه المعلومة، اشتعلت فورًا ذكرياتي عن هذا الملعب الجميل، الذي شهد أيضًا احتفاليات تخرج معظم دفعات طلاب جامعة نوفا ساوث إيسترن، في ديفي. وقررت اليوم أن أستذكر تلك الذكريات معكم في هذه المقالة.
ولمن لا يعرف كواليس المباريات التي تجمع بين الدول اللاتينية، فإنها أقرب ما تكون إلى كرنفال كبير على هامش المباراة؛ فقبل الدخول إلى الملعب، تقوم الجماهير بعمل حفلات شواء ورقص موزعة حول الملعب كنوع من فعاليات التشجيع والترفيه. فهذه الشعوب تقترب منا نحن العرب في حبهم للطقوس التي يغلب عليها الطابع الاجتماعي الواسع، وطبعًا لا أحدثكم عن غزارة فعاليات التشجيع داخل الملعب.



كان يوم السبت مخصصًا للذهاب إلى الشاطئ، بعد أن نتوقف ونشتري بيتزا بحجم يوازي حجم إطار السيارة في كبره من سوبرماركت كوستكو العظيم (وهو بالمناسبة أكثر شيء أفتقده من تلك الفترة دون منازع). ويوم الأحد، نجتمع مع بقية العائلات السعودية في إحدى الحدائق، مع القهوة السعودية والحلويات والكثير من الأكلات، وأذكر أن زوجة الدكتور حسن الفيفي كانت تصنع حلوى «المرسى الجيزاني» بطريقة لا يمكن وصف لذتها.
أما وسط الأسبوع فكان موزعًا بين توصيل البنات إلى المدرسة (قبل دخول كورونا) ومداومتي في أحد المكاتب المشتركة التي استأجرتها لأتمم كتاباتي وأعمالي. أذكر أنني كنت في تمام الساعة الثامنة صباحًا جالسًا في المكتب، أستلم المهام المعلقة من زميلي مدير الشركة الأخ عاصف المداوم في جدة، حيث تكون الساعة عنده حوالي الرابعة عصرًا، فأعمل عليها طيلة اليوم، ليستيقظ فيجد بريده الإلكتروني مليئًا برسائلي ومهامي التي أتممتها على خير.
كنت أخرج يوميًا من المكتب حوالي الساعة الرابعة، أستلم البنات من المدرسة، أعيدهن إلى المنزل، ثم أتوجه إلى «استوديو اليوغا» الذي كان يعج بكبار السن والنساء وأشباه الرجال، أقوم بـ«فرم» نفسي وأعود إلى البيت في وقت الغداء حوالي الساعة الخامسة والنصف، فأتصل بوالدي — رحمه الله — ووالدتي وبقية أهالي جدة قبل أن يناموا، أسلّم عليهم وأحكي لهم عن فلوريدا الخضراء، ثم أغلق الخط.
كانت الحياة ممتعة إلى أقصى حد بصراحة. ولكن بعد شيء من التأمل في هذا الحماس، وجدت نفسي أفضّل الحياة الأكثر راحة وسكينة بين أهلي ومجتمعي بدلاً من المتعة. وهذا — لعمري — ما لا يفرق بينهما لدى الكثير من المتعلقين بحياة الغرب؛ وهو عدم التفرقة بين «المتعة» المصحوبة بنمط الحياة، و«الراحة» التي لا تأتي إلا في وسط محيط حميمي من الأهل والمعارف والأصدقاء.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.