تخطى الى المحتوى

بليغ

أحمد مشرف
أحمد مشرف
بليغ

عام ٢٠٠٧م خرجت أنغام بألبوم كان من ضمن أغانيه أغنية استثنائية في لحنها ومختلفة تمامًا عمّا غنته أنغام في مسيرتها. أدمنتها لفترة، ولا زلت معجبًا بها حتى اليوم، اسمها «أشكي لمين وأحكي لمين».

قبل يومين وبعد ثلاثة عشر سنة من صدور تلك الأغنية، قرأت لدى الكاتب اللطيف عمر طاهر، في إحدى هوامش كتاب «من علم عبد الناصر شرب السجائر؟» تحت العنوان الفرعي «من هو مثلك الأعلى ككاتب؟» الفقرة التالية والتي كانت بمثابة الصدمة الظريفة:

«أشكي لمين التي غناها منير، معجزة…» دقيقة! من هو منير؟

ويستكمل الكاتب: «بليغ صاحب الكلمات واللحن صنع بالمرح والبهجة فستانًا لجسد حزين يقول: «أشكي لمين وأحكي لمين دنيا بتلعب بينا؟»، التناقض الذي ينير التجربة، واقعية «بُكرة الزمان يسرق شبابنا»، مع استبسال «بالحب ننسى كل اللي فاتنا»، وسحر التسليم «إيه راح ناخد منها إيه». أغنية تقول كيف يمكن للواحد أن يصادق أحزانه ويقف يتأمل معها فتارين السكينة! هذه خلطة لا تنتمي إلى الموسيقى بقدر انتمائها إلى الواقعية السحرية.»

توقفت للحظات وسألت نفسي؛ ما هذا الجُنان؟ أنا أعرف كلمات هذه الأغنية القديمة لأنغام تمامًا، ولكن من هو منير؟ .. وما دخل بليغ حمدي بها؟

اتضح بعد بضعة دقائق من البحث، أن الأغنية في الأساس كانت للفنان القدير محمد منير وقد خرجت عام ١٩٨١م، وهي من ألحان العبقري بليغ حمدي وكلمات عبد الرحيم منصور.

برَرَت هذه المعلومة أمرين مهمين بالنسبة لي الأول: وهو أن جمال الأغنية وإعجابي بها وقتها لم يكن سببه الآخرين والعقل الجمعي وشعبية بليغ حمدي المعروفة، فقد سمعتها للمرة الأولى عندما كنت لوحدي في السيارة وقلت لنفسي: فعلًا هذه الأغنية رائعة واستثنائية بالنسبة لأنغام! واتضح لي قبل يومين أنها كانت لبليغ حمدي ومحمد منير منذ أربعين سنة.

الأمر الثاني أنني استذكرت أن هذه الحالة تكررت عليَ كثيرًا، فقد توقفت عند عدة أغاني وأفلام وتعجّبت من جمالهم كثيرًا ليتبين لي أنها نتاج فنانين عظماء لم أكن أعرف أنها لهم منذ البداية.

ولا زلت عند القناعة التي تقول إن الفنون عندما تُصنع يجب أن يُستثمر في الجهد خلفها أكثر من الاستثمار في تسويقها (عكس ما نفعله نحن الفنانين الشباب هذه الأيام) لأن العمل سيبقى، ونطنطاتنا في كل مكان لنخبر الآخرين أننا عملنا ستختفي. وهنا الفرق ربما بين العمل السطحي والعمل العميق الذي حاولت الإشارة إليه بتفصيل ممل في كتاب وهم الإنجاز.

نفس قصة هذه الأغنية تكررت عليَ عندما سمعت لأول مرة في حياتي أغنية «يا مسافر وحدك وفايتني، ليه تبعد عني وتشغلني..» واكتشفت بعد أن ذُهِلت من صوت مغنيها وأداءها وكلماتها أنها لعبد الوهاب.. وقد غنّاها عام ١٩٣٨م (قبل ٨٢ سنة) تصوّر!

كان الله في عون الجميع.

غير مصنف

أحمد مشرف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المقالات ذات الصلة

للأعضاء عام

التعرّض للشمس

يؤسفني أن أقول إنني من فئة الأشخاص قليلي التعرّض للشمس، وللشارع، والطبيعة، بشكلٍ عام. فمن عيوبي الحديثة، انغماسي في مكتب المنزل لوقتٍ طويل، وهو المكان الذي أُنجِز فيه الكتابة، والقراءة، والمهام العملية اليومية. وقد كرر عشرات المرات عالم الأعصاب الشهير آندرو هوبرمان، أن التعرّض اليومي للشمس

للأعضاء عام

كله خير: كتاب ساخر لحياة أسهل

يمكنك توثيق المحطات الأهم لتاريخ أي حقبة زمنية لدولة ما في كتاب من ٥٠٠ صفحة، ولا يمكنك أن تتوقع نهاية الأحداث البسيطة في حياتك اليومية بسوئها وجمالها. «يستطيع الإنسان أن يربط نقاط حياته وهو ينظر للخلف، وليس للأمام» كما يقول ستيف جوبز. قررت توثيق بعض القصص من خلال العدسة الساخرة في

للأعضاء عام

عن الوِحدة

المنزل (نقصد في معناه باللغة الإنجليزية Home ولا نقصد البيت House): هو المكان الذي نشعر فيه بالانتماء. الوِحدة هي عكس الإحساس بالانتماء. قد يكون العمل الذي نحبه منزلًا، الرفقة التي نحبها منزلًا، المدينة التي نعشقها، الفريق المفضل، الحبيب، أو الصديق. المنزل هو المكان الذي نكون فيه على

عن الوِحدة