الذي لا يرد على تواصلك ولا يعتذر: قليل أدب
قولًا واحدًا في هذا الفصل
في بداية تأسيسي لعملي التجاري الأخير، كُنت مسؤولًا عن الحوالات البنكية في الشركة، وأتبادل باستمرار الرقم السري المؤقت مع أحد الزملاء في قسم المحاسبة لإجراء الحوالات، وصادف أن وُجِدت عدة حوالات لأفراد وجهات، في الساعة التي وصلني فيها خبر وفاة والدي وأنا في مطار واشنطن. كُنت مصدومًا وحزينًا لأقصى حد، وأشعر باختناق كبير وأنا أشاهد سير الحقائب وهو يدور أمامي. أرسلت رسالة إلى مدير الشركة قلت فيها: «أعذرني، للتو وصلني خبر وفاة والدي، أشعر بحزن غامر، ولا أستطيع التحدث مع أي مخلوق، وإن جاءتني أي رسالة رقم سري سأبعث بها للمحاسب، ولا أريد أن يتصل عليّ أحد». وبالطبع اتصل وعزّاني، ثم سألني (عبر الواتساب) عدة مرات إن كُنت لا أمانع، وأخبرته أن الأمور ستكون على ما يرام.
اعتقدت لحظتها أن حتى هذا الظرف القاسي – الخاص بي وحدي – ليس سببًا لتعطيل مصالح خلق الله، واعتقدت أيضًا أن النضج تظهر حقيقته في هذه اللحظات، ولذا حاولت استحضاره ما استطعت، وسعيت أن أتعامل بمسؤولية مع كل ما يحوطني من ظروف، ولذا قررت بجهد كبير أن آتي على نفسي وأقوم بما يجب عليّ القيام به.
أرجوك لا تفهم من قصتي أي محاولة للاستعراض، بل لإيصال رسالة معينة.
أذكر إنني كُنت أبكي وأنا ممسك بالجوال أنتظر حزمة الرسائل لأُعيد إرسالها للمحاسب، شاعرًا أن الكون كله قد خنقني من ضيقه. واستوعبت بعدها أن لا عذر لمن «يغطس» دون رد أو اعتذار على اتصال أو رسالة، على الصعيد العملي أو الاجتماعي، إلا في الظروف القاهرة فعلًا. لأن الإحساس بالمسؤولية يجب أن يكون موجودًا في جميع تعاملاتنا مع الآخرين، خصوصًا من تجمعنا بهم مصالح مشتركة، أو مصلحة تخصهم؛ لأننا سنحتاج للآخرين عاجلًا أم آجلًا.
لدي محامٍ تجاري أتعامل معه لأكثر من عشر سنوات. ليس أفضل محامٍ في البلد، وسعره ليس أفضل سعر، إلا أن هناك سببًا واحدًا جعلني مخلصًا له طوال تلك السنين: عندما أتصل به يرد عليّ.
وأتعامل أيضًا مع مسؤول علاقة (خاص بعملي التجاري) في أحد البنوك، أحبه لدرجة إنني تبرّعت بكتابة خطاب ورسالة شكر مطوّلة لرئيسه لتخصيصه هذا الشاب مسؤولًا عن حساباتنا. ليس لأنه أفضل مسؤول علاقة؛ بل أن لديه بعض العيوب، ولكن سببًا واحدًا دفعني لكل هذه الحفاوة والتقدير: عندما أتّصل أو أرسل رسالة له يرد عليّ.
الرد الذي أقصده ليس ردًّا فوريًا، بل ردًا يُشعِرُني بالاهتمام حتى وإن جاء متأخرًا: «المعذرة أبو سيرين، أنا مشغول، أكلمك بعد العصر؟» أو «المعذرة أحمد، أنا في إجازة، لو تحتاجني ضروري أعطيني فرصة أرتب وقتي وأكلمك، وإذا مستعجل؟ هذا رقم زميلي فلان– ما بيقصر معك». أو «المعذرة ما قدرت أرد عليك قبل يومين، كُنت في قمة الانشغال، ماذا تحتاج؟».
أعلم أن البعض لن يعجبهم كلامي، ولكنني أعتبر عدم الرد تمامًا على الاتصالات أو الرسائل فيه عدم احترام للنفس وللمتصل. أستثني الظروف القاهرة أحيانًا قليلة، وما دونها فأراه نقصًا في النضج وسوء إدراك لأبسط احتياجات التواصل الاجتماعي، وطبعًا سوء تقدير لاحتياجات الآخرين ومقامهم.
وحتى إن كان الإنسان لا يشعر برغبة حقيقية في الرد، أو لإدراكه بأنه لا يستطيع تلبية مصلحة المتصل، أو ببساطة لأنه إنسان مزعج، فمن الأفضل أن يتمرّن على الرد وإخبار المتصل بعدم إمكانيته للمساعدة، بدلًا من التطنيش الفادح.
هذا السلوك وحده – الرد على اتصالات الناس ورسائلهم – سيضيف على الأقل ٥٠٪ من رصيد ثقتهم فيك. وسيعرفون بشكلٍ افتراضي أنك موجود دائمًا، حتى وإن لم تساعد بشيء.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.