تخطى الى المحتوى

خوارزميات أرض الواقع والسفر

تأملات من رحلة الدمام والبحرين.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
2 دقائق قراءة
خوارزميات أرض الواقع والسفر
Photo by Anastasios Antoniadis / Unsplash

١. أجلس على كُرسي الطائرة في رحلتي الأخيرة من الدمام إلى جدة البارحة، يُعلِن الملّاح عن إمكانية استخدام الإنترنت عالي السرعة المجاني على هذه الرحلة، ودون مقدّمات يقوم كل من حولي بالإمساك بجهازه ليغرق في خوارزمياته، وأشعر مع هذا الموقف بإحساس عميق بالفرح والحزن؛ اللحظة التي اعتدت أن أتعامل معها تعامل الخُلوة، أُنجز شيئًا من التفكير، والقراءة، وقيلولات لم أعتد عليها على سطح الأرض، أو مشاهدة أمور تحتاج إلى بعض التركيز.

٢. ثم أكتشف وجود آنسة عشرينية في صفٍ أمامي، تُخرِج حقيبة مكياج تضعها أمامها على طاولة الطعام، تبدأ في جلسة مكياج مكثّفة، استمرّت ساعة وخمسين دقيقة، وكأن الخوارزميات انتقلت إلى أرض الواقع فجأة! لا ينقصها شيء من الجمال؛ غطّت كمالها برموش مركّبة، يستطيع أن يراها من يجلس حولها بزاوية ٤٥ درجة، ووصلات شعر شقراء، وشفاه متضخمة. لم تترك أي ذخيرة للأربعين، ولا اكتمالًا حقيقيًا للنمو، ولا استفذت جلسة صفاء ذهني لتسأل إن كان ينقصها فعلًا أي شيء؟

٣. قبل الرحلة، كانت خطة السفر أن أوقِّع عقدًا وأعود إلى جدة في رحلة قوامها ليلتين. أصبحت ثلاث ليالٍ نُوقِشت فيها كل البنود، والخوابير، وبعضُ من الدلال على «الطرف الأول» فيما يخص تقسيم السداد وطلب مهلة للتحضير. تأجلت على إثرها الرحلة حتى يوم سادس بسبب دخول نهاية الأسبوع. تنقّلت بين ثلاثة فنادق من باب الاستكشاف وتنويع النقاط، حتى أصبحت مرة أخرى أُلخبِط فيها بين أرقام الغُرف.

٤. اخترت البحرين لنهاية الأسبوع، لأفصل قليلًا عن مهام العمل، ولألتقي كل الأصدقاء هناك الذين وعدتهم منذ سنين بأن ألتقيهم. ويا لها من لقاءاتٍ؛ استوعبت أننا نستهين بفضيلة السفر (فقط) لزيارة الأصدقاء، دون وجود اضطرارات أخرى.

٥. لا أعرف مدينة زرتها ولا أحبها بالمُطلق، ومن تأملي لكل سفرياتي وحيدًا لكل المدن فإنهم «سواء في المعزّة» بشرط؛ أن يكون لي فيها أحبة. فكل مدينة أزورها أكتشف أنني أحببتها من أهلها وليس لمزاراتها. ولعل من حسن رزق المرء أن يمتلك أصدقاء في كل دولة ومدينة، كما كان يُشير والدي.

٦. قبل يومين، يجلس معي مديرنا المالي ليقنعني بأن أكمل الرحلة معه إلى الرياض للقاء بعض العملاء المتعثّرين، أخبرته أن لا طاقة لي حتى ليوم إضافي دون دون سفرة إضافية. عللت الأمر – وأنا غير مقتنع – بأن «مسألة العُمر» هي التي حالت بيني وبين رغبتي في التمديد إلى الرياض، غهناك فرق بين من ولد في ٨٦ وبين من وُلِد في ٩٦، وعندما ألحْ قليلًا، اضطررت أن أعتذر بأدب وأخبره بأن هذه مسؤوليته وحده في الحقيقة. شعرت وأنا على متن طائرة العودة بشيء من التأنيب، واستوعبت أن الطاقة نفذت حتى من قدرتها على لملمة إحساس التأنيب.

عن السفر

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

هل الصين منعزلة ثقافية بشكل تام أم جزئي؟

تعقيبًا على مقالة الصين السابقة وتعليقًا من أحد مثقفيها.

هل الصين منعزلة ثقافية بشكل تام أم جزئي؟
للأعضاء عام

رحلة الصين

تأملاتي الشخصية من زيارتي الأولى.

رحلة الصين
للأعضاء عام

الموسيقار جو هيسايشي والاحتفاء به قبل عام مقدمًا

عن أعظم موسيقار على قيد الحياة.

الموسيقار جو هيسايشي والاحتفاء به قبل عام مقدمًا