تخطى الى المحتوى

اللسان لا اللغة

مقالة ضيف: ملاحظة لسانية في وصف الخطاب القرءاني

عمر وليد عاشور
عمر وليد عاشور
اللسان لا اللغة

مدخل

اعتدنا في أحاديثنا اليومية، بل وفي كثير من الدراسات، أن نقول إن القرءان نزل بـ “اللغة العربية/لغة العرب”.

والمثير للاهتمام أن القرءان نفسه لا يصف خطابه بكلمة "لغة"؛ بل إن هذه المفردة لم ترد في النص القرءاني أصلًا.

بدلًا من ذلك، يستخدم القرءان مصطلحًا آخر محددًا عند الحديث عن البيان، وهو اللسان.

ويؤكد ذلك في أكثر من موضع، منها قوله تعالى:

{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}

وقوله:

{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}.

فهل اختيار كلمة “لسان” بدل “لغة” مجرد تنويع تعبيري؟

أم أن وراء هذا الاختيار ملاحظة مفهومية قد تغيّر طريقة فهمنا لطبيعة الخطاب القرءاني؟

اللسان أوسع من اللغة

في مفهومنا المعاصر تشير اللغة غالبًا إلى منظومة اصطلاحية من القواعد والمفردات التي يتواضع ويصطلح عليها الناس داخل مجتمع معين.

أما اللسان فيحمل معنى أوسع.

فاللسان ليس مجرد قاموس أو مجموعة قواعد، بل منظومة تتحرك فيها الدلالات وتتشكل بها المفاهيم.

ولهذا يقول القرءان:

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}.

فالرسالة الإلهية لا تخاطب الناس بألفاظ مجردة، بل تُفهم عبر اللسان الذي تشكلت به مفاهيمهم.

اللسان هنا ليس وسيلة نطق فحسب، بل البيئة البيانية التي يصبح فيها الكلام مفهومًا وقابلًا للإدراك.

لماذا اللسان العربي “المبين”؟

القرءان لم يقل إنه نزل بلسان قريش أو بلسان قوم بعينهم، بل وصف لسانه بأنه:

{بلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}.

وهذا الوصف يحمل دلالتين واضحتين:

عربي

من الجذر (عرب)، الذي يدل على الإبانة والإفصاح؛ أي خروج المعنى من حيز الكتمان إلى مجال الوضوح.

مبين

من الجذر (بان/بون)، أي بائن في نفسه وبذاته، مظهر للمعنى لغيره؛ يفصل المعاني ويمنع التباسها.

فاللسان العربي هنا ليس مجرد هوية لغوية، بل لسان قادر على إظهار المعاني وإبانتها بوضوح.

وقد وافق هذا اللسان لسان القوم الذين نزل فيهم الوحي، فكان ذلك أدعى لتحقيق البيان.

أثر هذه الملاحظة في فهم القرءان

لا شك أن بين لساننا المعاصر ولسان القرءان مسافة دلالية، فعندما نقرأ القرءان بوصفه مجرد لغة، فإننا غالبًا نحصر المعنى داخل حدود القواميس والتعريفات الاصطلاحية. بل وأحيانًا نُسقط عليه مفاهيمنا العامية التي يشوبها شيء من الاعتباط والتطابق* والاصطلاح.

أما عندما نقرأه بوصفه خطابًا نزل داخل لسان، فإننا نبحث عن المعنى وفق منظومة البيان التي يتحرك فيها النص.

وهذا يفتح بابًا أوسع لفهم كثير من المفاهيم القرءانية بعيدًا عن اختزالها في المصطلحات التي نشأت لاحقًا في تاريخ التفسير.

فالفرق بين اللغة واللسان ليس فرقًا شكليًا، بل فرق في زاوية النظر إلى النص نفسه.

خاتمة

قد يبدو الفرق بين كلمتي لغة ولسان فرقًا لفظيًا صغيرًا.لكن هذا الفرق قد يغيّر زاوية النظر إلى الخطاب القرءاني.

والتوقف عند هذا الفرق يكشف ملاحظة لافتة:

فكما ذكرنا سابقًا، النص لا يعرّف نفسه بأنه كتاب نزل بلغة تواضع عليها البشر، بل بأنه خطاب نزل بلسان عربي مبين.

لسان قادر على إظهار المفاهيم وإبانة المعاني، ومخاطبة العقل الإنساني بوضوح في كل زمان ومكان فيجعل الخطاب قابلًا للفهم والإدراك.

ولهذا ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو:

هل نقرأ القرءان اليوم بوصفه لغة قديمة،

أم بوصفه لسانًا مبينًا ما زال يخاطب الإنسان؟

*هامش:

التطابق من الجذر (طبق)، ويدل على وقوع الشيء على الشيء حتى يوافقه ويغطيه. وفي سياق هذه المقالة نقصد به إطباق مفهوم على مفهوم آخر مختلف في الجذر والمبنى حتى يُظن أنهما معنى واحد، كأن نجعل (لسن) = (لغو)،أو (نفس) = (روح).

عن الكتابة

عمر وليد عاشور Twitter

معماري وأخصائي تصميم، مؤسس دار عمر عاشور للثياب، وعضو مؤسس في جمعية الأزياء السعودية. مهتم بقضايا اللسان العربي وتحولات المشهد الثقافي.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

مفتاح الرحمن

مقالة ضيف: قراءة في بنية البسملة

مفتاح الرحمن
للأعضاء عام

عندما تكتشف أن خالك رئيسًا لصحيفة رفضت كتاباتك

درس جديد للنظر إلى حياتنا من بعيد، ونحمد الله على نِعمه

عندما تكتشف أن خالك رئيسًا لصحيفة رفضت كتاباتك
للأعضاء عام

عندما تكتب مرة واحدة فأنت لست كاتب

دعوة للتوّقف عن طرطشة الألقاب.

عندما تكتب مرة واحدة فأنت لست كاتب