تخطى الى المحتوى

لماذا يجب أن نخفف التواصل مع الأحبة والأعداء؟

وكيف غيّرت البرقيات شكل الحياة!

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
لماذا يجب أن نخفف التواصل مع الأحبة والأعداء؟
Photo by Amsterdam City Archives / Unsplash

أتعلمون ما هي المفارقة الغريبة؟ أن غزارة التواصل، حتى مع أكثر المقرَّبين والأحبَّة، قد تكون سببًا للفتنة أكثر مما تكون أنيسًا للنفس.

تحكي لي إحدى شقيقاتي عن محاضرة حضرتها لسيدة فاضلة، كانت قد شجعتهن ألا يلتقين بصديقاتهن لفترات طويلة ومتكررة شبه يومية؛ لأن مثل هذه اللقاءات قد تزيد الانسجام إلى حدٍّ يجعلنا نكشف العيوب أكثر مما نستطيع تحمُّله!

يحكي رجل الأعمال والمطوّر المعروف في مجال الذكاء الصناعي مصطفى سليمان، عن أحد التحديات البسيطة والغريبة في التكنولوجيا في كتابه The Coming Wave: أن الإنسان الذي يخترع أي تقنية قد لا يستطيع أن يضمن السيطرة عليها، مثل كثير من الاختراعات: الأسلحة والسيارات والأدوية وغيرها. ولذا، فقد يكون هذا التنبؤ — على بساطته — هو ما شكَّل نظرته المتشائمة تجاه مستقبل البشرية مع الذكاء الصناعي.

وعندما نطلع على الماضي، نكتشف رأيًا مشابهًا -لم أسمعه من قبل- إلا بعد قراءتي المستمرة لكتاب Superbloom أو «الازدهار المفرط: كيف تفرقنا تقنيات الاتصال» للكاتب الفذ نيكولاس كار، صاحب الكتاب الخالد «السطحيون» الذي صدر قبل أكثر من عقد من الزمان. وقد روى قصصًا عجيبة عن اختراع آلة التلغراف (آلة إرسال البرقيات) التي طُوِّرت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر وأصبحت قابلة للاستخدام التجاري في الأربعينيات.

كتب مؤلفو كتاب «قصة التلغراف» — الذي حقق مبيعات كبيرة ونُشر في تلك الفترة — أن «التلغراف يربط بين جميع دول العالم بحبل حيوي»: «من المستحيل أن تستمر الأحكام المسبقة والعداوات القديمة في الوجود.» واستمد الكتاب مقطعه الافتتاحي من سفر المزامير: «لقد انتشر صوتهم في كل الأرض، وكلماتهم إلى أقصى العالم».
أعلن مؤتمر التلغراف الدولي لعام 1865، الذي عُقد في باريس، أنه «مؤتمر سلام حقيقي». وأكد رئيس الاجتماع للحاضرين أن كل سوء فهم أدى في يوم من الأيام إلى الحروب سيُستأصل بواسطة «هذا السلك الكهربائي الذي ينقل الأفكار عبر الفضاء بسرعة البرق، ويوفر رابطًا سريعًا ومتواصلًا لأفراد الجنس البشري المتناثرين».
أعلن وزير البريد الألماني في خطاب عام 1876 أن التلغراف هو «مُدمِّر للمسافات». ومن خلال تحرير الاتصال من «التربة والحوافر»، سيبدأ عصر من التآخي الدولي. «لقد تلقينا هذه القوة الرائعة من الطبيعة كهدية من الخالق».
أصبح الالتزام بزيادة كفاءة الاتصال أكثر إلحاحًا عندما أصبح التقدم — المادي والاجتماعي والروحي — مرئيًّا في مد أسلاك التلغراف فوق شوارع المدن وعلى طول الطرق الريفية. وفي عام 1899، بعد عامين من مقال تشارلز كولي، نشرت صحيفة نيويورك تايمز افتتاحية حماسية تحتفي بمد كابلات الاتصالات عبر المحيط الأطلسي، وتدعو شركة ويسترن يونيون إلى خفض تكلفة البرقيات الدولية. وجادلت الصحيفة بأن الشركة، من خلال جعل أسعارها أكثر يسرًا، ستوسع نطاق امتياز ومتعة الاتصالات عالية السرعة والمسافات الطويلة ليشمل عامة الناس، وستحقق شيئًا أكثر أهمية: ستساعد في نشر السلام والنوايا الحسنة في جميع أنحاء العالم. أعلن كاتب الافتتاحية: «لا شيء يعزز ويشجع التفاهم المتبادل ومجتمع المشاعر والمصالح مثل الاتصالات الرخيصة والسريعة والمريحة». كانت حقيقة هذا القول تبدو واضحة للقراء.

حتى المخترع المعروف نيكولا تيسلا لم يسلم من هذا الوهم.

قال في مقابلة عام 1898 حول خطته لابتكار تلغراف لاسلكي إنه «سيُذكر باعتباره المخترع الذي نجح في القضاء على الحروب». ولم يرد منافسه غولييلمو ماركوني أن يكون أقل منه، فأعلن عام 1912 أن اختراعه للراديو «سيجعل الحرب مستحيلة». وتنبأ كبير مهندسي شركة AT&T، ج. ج. كارتي، في عام 1923 بأن نظام الهاتف «سيجمع جميع شعوب الأرض في أخوة واحدة». وفي عام 1932، قال الكاتب التكنولوجي الشهير ونائب رئيس شركة RCA أورين دنلاب إن التلفزيون «سيبشر بعصر جديد من التواصل الودي بين دول العالم».

في الحقيقة، ما حصل كان العكس تمامًا؛ ساهم التلغراف في تعزيز سرعة قيام الحربين العالميتين الأولى والثانية، ووصولها إلى مستويات أبعد مما نتصور. ويضيف كار:

وقد خضعت هذه التوقعات المتفائلة لاختبار مبكر في صيف عام 1914. ففي أعقاب اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، أمير النمسا، على يد قومي صربي في سراييفو في 28 يونيو، تداولت العواصم الأوروبية مئات الرسائل الدبلوماسية العاجلة عبر خطوط التلغراف والهاتف التي تم مدُّها مؤخرًا. وكما وصف المؤرخ ستيفن كيرن، سرعان ما تحولت هذه الرسائل المتتالية إلى إنذارات نهائية وتهديدات. وبدلًا من تهدئة الأزمة، أدت إلى تأجيجها. يكتب كيرن: «أضفت تكنولوجيا الاتصالات سرعة فائقة على وتيرة الدبلوماسية التقليدية التي عادة ما تكون بطيئة، وبدا أنها تلغي الحاجة إلى الدبلوماسية الشخصية».
«لم يستطع الدبلوماسيون التعامل مع حجم وسرعة الاتصالات الإلكترونية.»
الدبلوماسية — وهي فن التواصل — قد غمرتها وسائل الاتصال. حتى مع إعاقة المفاوضات، مكنت أنظمة الاتصالات الجديدة الجيوش والبحريات من التعبئة بسرعة أكبر بكثير مما كان ممكنًا عندما كانت الأوامر العسكرية تنتقل عن طريق السعاة. وبحلول أغسطس، كانت الحرب العالمية الأولى قد بدأت.

كان من المحزن أن نقرأ مذكرات أحد أهم رجالات الحرب عن دور هذه التقنية التي يفترض بها أن تلغي كل الشرور، بدلًا من أن تؤججها، كما قال الدبلوماسي البريطاني البارز إرنست ساتو في عام 1917 (أظلم أعوام الحرب):

«إن الصفات الأخلاقية — مثل الحصافة والبصيرة والذكاء والحدس والحكمة — التي يتحلى بها رجال الدولة والأمم لم تواكب السرعة التي اتسمت بها وسائل الاتصال عبر التلغراف والهاتف. فهذه الوسائل لا تتيح أي وقت للتفكير أو التشاور، بل تتطلب اتخاذ قرار فوري، وغالبًا ما يكون متسرعًا، بشأن مسائل ذات أهمية حيوية».

ويضيف كار:

في خطاب ألقاه بعد ثلاثين عامًا، في ختام حرب عالمية كانت أكثر دموية، عبَّر هارولد إينيس عن هذه المفارقة الظاهرة بأسلوب أكثر صراحة: «أدت التحسينات الهائلة في مجال الاتصالات إلى زيادة صعوبة التفاهم [بين الدبلوماسيين، مما أدى إلى نشوب الحروب بوتيرة أسرع]».

لم يستطع أدهى دبلوماسيي العالم استحضار ضبط النفس مع وسيلة أكثر بدائية للتواصل السريع والغزير. ولعل الإنسان البسيط يجد شيئًا من الاستئناس كلما باعد بين لقاء أحبائه وقربه منهم، وانشغل أكثر فيما يجب أن ينشغل فيه.


المصدر:

Carr, Nicholas. Superbloom: How Technologies of Connection Tear Us Apart (pp. 21-24). (Function). Kindle Edition.

شؤون اجتماعية

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

هل تستحق الحياة أن نعيشها رغم التخبيص في الاختبار؟

قصة من ذاكرة المرحلة الثانوية.

هل تستحق الحياة أن نعيشها رغم التخبيص في الاختبار؟
للأعضاء عام

كيف تجعل الغرباء يحبوك؟

إن كان يهمك الأمر

كيف تجعل الغرباء يحبوك؟
للأعضاء عام

الأصح بدلًا من الأسهل

في دفع النفس لتحمل المسؤولية والفرح.

الأصح بدلًا من الأسهل