عن الفرق بين الابتلاء والتروما وما بينهما
أزمة المصطلحات النفسية التي أخرجتنا من المسؤولية.
أقف في أحد الأيام أمام إحدى قريباتي لأسألها عن أحد المقاهي، لتُجيبني: «كله فساد!». كانت تقصد بالطبع أنه مليء بعملاء من الجنسين (مختلط) ويغلُب عليه الزائرات من الإناث، وبعد بعض التوضيح فهمت أن المكان لا يناسب أصحاب الخلفيات المحافظة عمومًا.
كان سؤالي في مكانٍ آخر تمامًا قاصدًا: «هل هو جميل؟ طلباته ممتازة؟ يستحق الزيارة؟»، ولم أكن بصراحة مكترثًا للجانب الذي تحدّثت عنه السيدة الكريمة إطلاقًا. وعندما توقّفت بعدها وسألت نفسي: «لماذا اختارت هذه الإجابة بالذات على سؤالي؟»، خرجت برأي: أن أي إنسان في الحقيقة يستعير مصطلحاته من رؤيته للأمور –كما يُشير عبد الوهاب المسيري– وعندما تنحصر رؤيتنا في جوانب محددة، فإن مصطلحاتنا ستخرج من نفس المكان؛ فقد يُجيب مراهق على نفس السؤال: «المحل كله شيبان»، أو طفلة: «المحل حق كُبار وما فيه مكان للعب»، ومتخصص نفسي: «كل اللي فيه عندهم عُقد نفسية»، وشاب يافع: «البنات اللي في المكان مو حلوين» وهكذا.
يلجأ الإنسان للفهم من خلال رؤيته للأمور، التي تُشكّل مصطلحاته التي ينطق بها.
توقفت عند مقالة استثنائية دسمة تشرح هذه المعضلة بقلم الآنسة نوال القصير؛ التي تحدّثت عن استعارة مصطلحات نفسية أجنبية، ثم توليفها على مفاهيمنا الثقافية (خصوصًا الإسلامية منها)، ثم تداولها يوميًا في حياتنا وعلى منصاتنا الاجتماعية، لتُصبح شكلًا من أشكال التشوه الثقافي. أُغرِمت بالمقالة لسببين: الأول: أن هناك من وضع يده على هذا التشوه الذي أصبحت ترجمة مصطلحاته وتداولها ذريعة للكثير من الهروب، والتخلي عن المسؤوليات، وإيجاد مخارج للكثير من سلوكياتنا السلبية في هذه الحياة؛ والأمر الثاني: أنها استطاعت أن تقول ما كُنت أراه وأسمعه وأشاهده، ولكنني لم أُحِسن التعبير عنه. وقد قالت:
فقد يبدو المتحدث الذي يقول: «إنني أعاني صدمة»، عصريًا علميًا مواكبًا للأبحاث، في حين يبدو من يقول: «أنا مبتلى» واعظًا قديمًا. قد يزيد هذا النفور بسبب معيارية المصطلح الشرعي ومطالبته صاحبه بواجب؛ فالصبر فضيلة يسعى إليها، والابتلاء امتحان حتمي لكل البشر يستدعي جهد العبد لتقبله والتعامل معه وفق ضوابط شرعية، في حين يصفها المصطلح العلاجي بالحالة التي يعالجها الطبيب ويتقاسم مسؤوليتها مع المريض، ويميل كثيرون إلى المفردة التي تعفيهم من الحكم وتضعهم موضع المريض المعذور أو الضحية.
يظهر هذا جليًا في حوارات العيادات اليومية ونقاشات منصات التواصل، حين يبرر الكثيرون تخليهم عن مسؤولياتهم العائلية بعبارات التعافي، وتدليل الطفل الداخلي، وحدود الذات؛ ويغيب مفهوم صلة الرحم والتراحم، ويغيب قبله مفهوم مراجعة النفس وتزكيتها وتحديد موقع مسؤوليتها المشتركة مع الآخرين.
يغرق الإنسان الحديث في محيط من الترف يورثه الكسل، ويدفعه إلى التهرب من مكابدة علاج نفسه وأمراض قلبه، ومواجهة عيوبه، وبناء علاقة متينة مع الله عبر جهد مضنٍ. فيلهث هذا الإنسان خلف الحلول Sالسريعة الجاهزة في كل شيء: في الصحة والمال والعمل والعلاقات، وانسحب طلب هذا الترف إلى جوهر التجربة الإنسانية وأصل وجود الإنسان وهو «المكابدة». ويميل إلى ممارسة دور الضحية، ليتخفف من العبء الثقيل الذي تفرضه مسؤولية إصلاح النفس وتزكيتها.
تتحدث الآنسة نوال القصير عن تداخل المصطلحات، التي سرعان ما نتأثر نحن الناطقين بها -قبل من يسمعها- بمضمونها، وكثرة تداولها بلا شك تخلق شيئًا من انسلاخ الهوية، والذي يجعلنا نقف في مكانٍ ما بين عدم تحمّل المسؤولية وبين فهم واقع الأمور على حقيقتها. فلا يخفى على القارئ الكريم أن النرجسية، والمساحة الآمنة، والتروما، واعتزال ما يؤذيك، وغيرها من المفردات الدارجة لم تكن مستخدمة في مجتمعاتنا التي يغلب عليها التكاتف واللجوء إلى تفسيرات إلهية لكل مصاب أو خير أو مجرد تحديات اجتماعية طفيفة تحصل معنا. أصبحت هذه المصطلحات الملجأ للهروب، قبل أن تكون توصيفًا حقيقيًا لما نعيشه.
أؤمن أن الأسماء والمصطلحات التي تختارها أمة لتسمية أوجاعها تُمثل فهمها لوجودها وموقعها، وبالتالي تدرك كيف تتعامل معها وفق حجمها الحقيقي. نُغيّر الاتجاه الذي يُشير إليه ألمنا حين نهجر الصبر والابتلاء إلى المرونة والصدمة؛ وبيْنما يرفع الصبر بصر المبتلى إلى السماء، فإن التروما تحصر نظره إلى الجرح وأسبابه. هذه ليست مقالة لاستفزاز أي معالج نفسي أو أي شخص يستخدم هذه المصطلحات، ولكنها دعوة من إنسان عادي بسيط لاستعادة واعية لموقع الإنسان في علاقته بخالقه، وبالتالي استعادة موقعه من المحن والبلايا وطريقة النظر لها ومن خلالها.
ولذا أعود للتشجيع للبحث عن فهم أعمق ووقوف أطول على المصطلحات غير المستوردة.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.