عن فن ألا تكون متاحًا للجميع
فكر في الأشخاص الذين أسروا قلبك. إنهم لم يكونوا أولئك الذين جعلوا أنفسهم متاحين بلا حدود.
قد تكون إحدى أغرب المفارقات، هي أن أكثر الأشخاص غير المتاحين محبوبين. ينطبق هذا الأمر مع الأسف على الآباء الذين يبحثون أولادهم معهم على أكثر ساعات الرفقة المتاحة، أو مع الأصدقاء الذين عشنا معهم أجمل أيام الطفولة أو المراهقة ليصبحوا اليوم في معزلٍ عنّا بسبب أعمالهم أو مناصبهم، أو مع العاشقة التي تحاول استجرار انتباه حبيبها الذي يتواصل معها اتقاءً للشر وليس للهفة.
هناك مفارقة من نوع آخر.
عندما لا يكون الإنسان متاحًا بسبب امتلاء داخلي، يجعله يتعامل مع رفقة الآخرين كمناسبات اجتماعية، وليس وضعًا افتراضيًا. عندما يكون منغمسًا في شيء أعمق من أن يُترك تحت أمر الظروف مثل: حِرفة ما، كتابة، رسم، تعلّم طبخة، مشروع المستقبل، دراسة، أوقات بناء حساسة مع الأبناء، وغيرها.
وهو ما تُسميه Alexis McElroy في مقالتها الفاتنة (The Art of Being Unreachable): «العُمق».
العمق ليس أمراً عارضاً. إنه شيء يُزرع. يُبنى خلال الساعات التي تقضيها وحدك، منغمساً في شيء لا علاقة له بالطريقة التي ينظر إليك بها الآخرون. رجل يعزف على البيانو في ساعات متأخرة من الليل، وأصابعه تتحرك على المفاتيح كلمسة عاشق. امرأة ترسم في مرسمها، مغطاة برشات الألوان، بعيدة المنال. شخص يكتب، أو يبرمج، أو يصنع الأثاث بيديه، أو يزرع حديقته، أو يطهو وجبات متقنة لا يتذوقها أحد سوى نفسه.
هؤلاء هم الأشخاص الذين يقطعون كلامك في منتصف الجملة. الذين يجعلونك تنحني نحوهم. الذين يجعلونك تتساءل عما يدور في أذهانهم عندما يصمتون. لديهم نسيج. طبقات. ثراء لا يمكن الوصول إليه في محادثة واحدة، أو ليلة واحدة، أو شهر واحد. يمكنك أن تقضي سنوات معهم وتظل تكتشف جوانب جديدة في شخصيتهم.
يكون هذا الأمر نابعًا من شيء آخر أسمته «الاهتمامات المستقلة».
الاهتمامات المستقلة تضفي بُعدًا على الشخص. ليس كل شيء متاحًا على الفور، وهذا التقييد هو جزء من سحره. عندما ينتمي شخص ما بالكامل إلى شغفه، يشعر بأنه أقل تكلّفًا وأكثر جاذبية. لا يحتاج إليك لتكمله. إنه كامل بالفعل. وهذا الكمال جذاب بشكل مذهل.
تبرر قبلها الاختفاء عندما يكون مشروعًا:
يكمن السحر في جوانب حياتك التي لا تحتاج إلى شهود. الهواية الخاصة مثلًا هي نوع من الإغراء — فأنت تختفي فيها، ويشعر الناس بغيابك. عندما تختفي في حرفتك، أو طقوسك، أو هوسك، يلاحظ الناس ذلك. إنهم يشعرون به، بالطريقة التي يتحول بها انتباهك بعيدًا عنهم ونحو شيء لا يمكنهم لمسه. وهذا يولد شغفًا. يريدون أن يعرفوا أين تذهب عندما لا تكون معهم. وما الذي تفكر فيه. وما الذي يشغل وقتك.
لا يتعلق الأمر هنا بالكتمان أو التظاهر بالصعوبة في الوصول إليك. بل يتعلق بامتلاك حياة تهمك حقًا أكثر من الحاجة المستمرة إلى إثبات الذات. فكلما زاد اهتمامك بحياتك الخاصة، قل شعورك بالحاجة إلى البحث عن هذا الاهتمام لدى الآخرين. عندما تكون أيامك مليئة — عندما تكون لديك مشاريع تثير حماسك، ومهارات تعمل على صقلها، وعوالم تبنيها — يصبح الآخرون أمرًا اختياريًا وليس ضروريًا. ولا يوجد ما هو أكثر جاذبية من شخص لا يحتاج إليك ليشعر بالكمال.
فكر في الأشخاص الذين أسروا قلبك. أؤكد لك أنهم لم يكونوا أولئك الذين جعلوا أنفسهم متاحين بلا حدود. بل كانوا أولئك الذين كان لديهم مكان آخر يذهبون إليه. الرسامة التي لم تستطع مقابلتك إلا بعد انتهاء ساعات عملها في الاستوديو. الموسيقي الذي يتدرب من أجل حفل لم تُدعَ إليه. الكاتب الذي اختفى لأيام غارقًا في مخطوطته. رائد الأعمال المنشغل ببناء شيء أكبر من أي علاقة فردية.
وعن وصفها البديع والساحر للهوايات التي نحتاجها بقدر احتياجنا للآخرين:
الهوايات ليست أمراً تافهاً. إنها ملاذات. الهوايات هي المكان الذي تتجه إليه الرغبة عندما لا تعود بحاجة إلى موافقة أحد. إنها مساحات تخلقها بنفسك وتخصك وحدك تماماً — حيث تتحكم في الواقع، وتبني عوالم، وتتقن مهارات. وهناك قوة في ذلك. هيمنة هادئة. أنت لا تنتظر أن يجعلك أحد شخصاً مثيراً للاهتمام. بل أنت تصبح بنشاط ذاتي شخصاً يستحق التعرف عليه.
أفكر في الساعات التي أهدرتها — في الهوس بصمت تجاه شخص ما، مع تحليل كل كلمة يقولها، والتفكير المفرط فيما إذا كان يشعر بما أشعر به. ماذا لو كنت قد قضيت ذلك الوقت في الإبداع بدلاً من ذلك؟ الكتابة. الرسم. تعلم العزف على آلة موسيقية. بناء شيء بيدي. لكان لدي شيء أظهره مقابل ألمي. لكان قد تحوّل الشوق إلى حرفة، والرغبة إلى مهارة. لكان قد أصبحت شخصًا لا يحتاج إليهم ليشعر بالكمال.
الحياة الداخلية الغنية تهدئ الحاجة إلى الاهتمام الخارجي. فكلما انصب انتباهك بشكل أكبر على تطورك الشخصي، كلما خفت شهوة الاهتمام الخارجي. الحياة الداخلية الغنية لا تجعلك أكثر إثارة للاهتمام فحسب — بل تجعلك محصنًا ضد الألاعيب، وفتات الاهتمام، والتعزيز المتقطع الذي يبقي الكثير من الناس محاصرين في دوامات الشوق. عندما تثير حياتك اهتمامك حقًّا، يصبح الحصول على التقدير من الآخرين أمرًا اختياريًّا. تتوقف عن التسامح مع القليل لأنك تعلم أن وقتك ثمين. أنت تعرف كيف يكون الشعور بالانغماس في شيء يغذيك حقًّا.
ماذا عن المتاحين طيلة الوقت؟ ماذا عن الأشخاص الذين يتوقون لجذب انتباه الآخرين ورضاهم دون أن يشعروا؟
دعوني أكون صريحة: إذا كان وجودك كله يدور حول المواعدة، أو العلاقات، أو محاولة جذب انتباه شخص ما، فأنت قد خسرت بالفعل. ليس لأن الرغبة في التواصل أمر خاطئ، بل لأن اليأس له رائحة. إنه يلتصق بك. يمكن للناس أن يشموا رائحته قبل أن تتكلم حتى.
لقد تعلمت هذا الدرس بالطريقة الصعبة. كان هناك وقت كان لدي فيه اهتمامات — اهتمامات حقيقية. كتب كانت تستهلك عطلات نهاية الأسبوع بأكملها. ألعاب تتطلب استراتيجية وتركيزًا وانغماسًا تامًا. لكن في اللحظة التي دخلت فيها الرومانسية الصورة، تلاشى كل شيء آخر. أصبحتُ مسطحة. متوقعة. متاحة تمامًا. وفي ظل تلك التوافرية، فقدتُ الشيء ذاته الذي يجعل الشخص يستحق السعي وراءه: الغموض. الغموض ليس سرية — إنه انتقائية.
عندما لا يكون لديك أي شيء آخر — لا مهارة، ولا هوس، ولا عالم خاص — تصبح مرآة. تعكس ما يريده الشخص الآخر، على أمل أن يكون ذلك كافياً لإبقائه مهتمّاً. وهذا لا يكفي أبداً. لأن الأشخاص الأكثر جاذبية ليسوا مرآة. إنهم غرف مغلقة. والجميع يريد المفتاح.
لطالما أدرك الأدب هذا الأمر. خذوا إليزابيث بينيت في رواية «كبرياء وتحامل» كمثال — امرأة منخرطة فكرياً، تقضي وقتها غالباً في القراءة والملاحظة وتكوين الأحكام. إنها منغمسة في عالمها الخاص من الذكاء والتفكير النقدي. السيد دارسي، على الرغم من ثروته ومكانته، هو الذي يجب عليه إعادة تقييم نفسه لكسب تقديرها. اهتمامها ليس شيئًا يمكنه المطالبة به أبدًا. إنه لا يظهر إلا بعد إرساء الاحترام والتكافؤ الفكري. لا تكمن قوة إليزابيث في استعدادها، بل في استقلاليتها. لديها حياة فكرية قائمة بشكل مستقل تمامًا عن رغبته فيها.
شيء من الانعزال وبناء الثروة الداخلية، يعطي الإنسان قيمة أكبر أمام نفسه قبل أن تكون أمام الآخرين.
الإنسان نتاج خلوته.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.