لماذا لا يوجد لدينا شاعِرات؟
تحليل بيولوجي
سألني صديقي: لماذا لا يوجد لدينا شاعِرات سعوديات؟
كُنت وقتها في حفل زواج قبل سنوات، وكان مغني الحفل مبدعًا؛ ما شجّعنا على ترشيح أغانٍ له كما طلب، واقترحت أغنية طلال مدّاح «من بعد مزح ولعب» للكاتبة والشاعرة القديرة والتي أحبها كثيراً المرحومة ثريا قابل، التي انتقلت إلى رحمة الله قبل فترة بسيطة. أخبرته وقتها عن معلومة أن من كتب الأغنية سيدة، وقد غُنّت مطلع السبعينيات الميلادية من قِبل المرحوم طلال مدّاح، وغيرها من الأغاني الخالدة مثل: «سبحانه وقدروا عليك وخلوك تنسى أحبابك»، «يستاهل الحب»، «حبيبي ما مثلك حبيب»، وغيرها. وسألني السؤال بعدها.
في الحقيقة يوجد، ولكن إن قارنا العدد مع الشعراء الذكور فلن يكون هناك مجال للمقارنة. هذا الأمر ليس محصورًا على السعودية أو دول الخليج، بل هو ظاهرة عالمية، لها عدة أسباب سياسية، واجتماعية، وبيولوجية، وسنكتفي اليوم بالوقوف عند السبب الأخير تاريخيًا وتطوريًا.
تحدث عن هذا الأمر الصديق العزيز محمد كركدان في إحدى منشوراته في انستقرام، والذي حكى فيه عن الفرق الجوهري تاريخياً بين النساء والرجال وطُرق جذبهم للجنس الآخر، وهنا أستلهم منه:
عن الذكور:
لم يكن يملك الرجل –البدائي قبل المعاصر– أي أدوات حقيقية مستدامة لجذب الجنس الآخر، سوى قوة الشخصية، والحضور، والأسلوب في الكلام، فالمرأة بالمجمل لا تتأثر بوسامة الرجل كما تتأثر بشخصيته، وقوته، وأسلوبه وحديثه، الذي يضطر معه إلى «نسج الكلام المعسول» من الغزل ووعود البذل، والإسهاب في الوصف، والتفاخر، وغيرها من المهارات الطويلة والعريضة التي يجب أن يتسلّح بها لكي يلفت نظر الجنس الآخر بترجمتها من خلال لسانه. قد تكون عضلاته ووسامته بلا شك طُرقاً جاذبة، إلا أن تأثيرها محدود وغير مستدام، وهذا ما ربط فن الشعر بشكلٍ أكبر مع الرجال، لأنهم ببساطة لا يملكون شيئاً آخر يقدمونه؛ خصوصاً في البدايات.
عن الإناث:
تُحفظ قيمة الإناث في ذاتها. فهي مكتفية بكونها أنثى وأماً، تنتظر من يلفتها لتعطيه الاهتمام، هذا الانتظار يتسلح ببعض المهارات -المختلفة تماماً عن الذكور- للفلترة، والتي ستضمن اختيارها لأفضل «مُنتخَب طبيعي».
تجذب الأنثى الذكور من خلال ما يُسمى «التلويح الوهمي بالحميمية»: من الغُنج، والدلال، والرقص، والتأنق، والتي نختصرها جميعاً فيما نُسميه «الأنوثة»، تحاول الأنثى أن تقول: «تريد أن تحصل على هذا الجمال؟ أرني قوتك وشطارتك».
تستطيع بهذه المهارات جذب اهتمام العديد من الذكور، إلا أنها تعطي تركيزها لذكر واحد فقط، لماذا؟ بسبب طبيعتها البيولوجية، التي تحتاج إلى الحماية الدائمة؛ فهي إن لُقّحت مرة واحدة، ستتغير حياتها إلى الأبد. تسعة أشهر من الحمل، وسنون طويلة من الرعاية والاهتمام بمولودها، الذي لا تستطيع أن تحافظ على حياته، وتحميه وتحمي نفسها من الوحوش والجوع إلا من خلال اقترانها بذكر قوي. ولهذا، تميل الأنثى إلى حساسية مفرطة في قرارها لإعطاء الرجل ما يُشبِعه من الممارسة الحميمية، لأنها ببساطة مدفوعة بدرع بيولوجي داخلي يحاول حمايتها، لأن البويضة إن لُقّحت مرة واحدة كما قلنا، سيتغير كل شيء.
هذا بالمناسبة ما يُفسر إحدى المعضلات المتكررة في عالم العلاقات الحميمية، حيث يركز الذكر دائماً على «الكثرة» بينما تركز الأنثى على «العمق»، ويعود السبب في ذلك إلى أنها –لاشعوريًا– تحتاج إلى تأكيدات مستمرة بالأمان، أو بلغة أخرى: «التأكد من أن تلقيح بويضتها سيكون مع الشخص الصح»، ولذا تتحرّك الأنثى مع التواصل العميق، ويتحرّك الذكر مع الجمال الشكلي، تميل الأنثى إلى الحِفاظ على بويضتها، بينما يميل الرجل إلى نشر الثلاثمئة مليون مخلوق داخله. هذا الاتزان هو الذي يضمن استمرار البشرية بحكمة الله، ولذلك يواجه الذكور صعوبة بالغة إلى السيطرة على غرائزهم، بينما تميث الأنثى إلى حِرص أعمق لمشاعرها التي تحميها. هو يملك الموارد، وهي تملك المفتاح.
يعطي الرجل الحب ليحصل على الحميمية، وتعطي المرأة الحميمية إن أرادت الحب.
تصبح علاقة الأنثى مع الذكر علاقة تبادلية، تبدأ بالكلام المعسول مقابل الأنوثة، وتستمر بالأمان مقابل الحصول على الحميمية. أن توقف أحدهما عن العطاء، ستنتهي العلاقة.
الصيد:
نسمع جملة عربية اصطلاحية تقول: «أوقعته في شباكِها»، تنبع هذه الجملة من آلية الجذب، فالأنثى عندما ترقص أو تتأنق أو تتغنّج (أو تتصور باستمرار في التواصل الاجتماعي) فإنها توقِع العديد من الأسماك الذكور في شِباكها، تقوم بعدها بدور المفاضلة: «هذه السمكة ضعيفة، هذه كبيرة في السن، هذه صغيرة، هذه مفلِسة، وهذه لا بأس بها، والسمكة الأخيرة مناسبة تماماً في الحضور والقوة (الوظيفة، المنصب، الراتب، والانضباط، وغيرها من السمات الإيجابية)» لتعطيه بعضًا من التركيز والاهتمام، حتى يُثبت افتراضها.
ولا يستطيع الذكر في المقابل أن يجذب الانتباه إلا من خلال «رحلة الصيد الفردية» التي يحاول أن يوصل معلومة إلى أُنثى محددة بأنه الأجدر للحصول على تركيزها واهتمامها. أول خيوط الجذب هي الحضور والمكانة الاجتماعية المتمثّلة بالـ «الكلام المعسول» والثقة بالنفس، والقدرة على الإشعار وبذل الكلام الرهيف.
التسلح بالكلام المعسول ضرورة بيولوجية وليس فنًا محض بالنسبة للذكر! وهنا وُلِد الشاعر داخل الذكر.
نسمع أحياناً أن الإناث «مسوّقات» أما الذكور فهم «بائعون».
تجذب الأنثى الجنس الآخر من خلال إمكاناتها في الترويج، بينما يحاول الذكر بيع منتجاته على الخاص (الشاعر داخله).
قد تستسخف الأنثى الرجل الذي يستعرض بجماله وعضلاته طيلة الوقت، في حين أن الذكر لا يميل كثيراً إلى الأنثى المفوّهة وقوية الحضور، خصوصاً على الصعيد المهني، خصوصاً إن كان المجال، مجالاً عُرف أنه خاص بالذكور.
يتمثّل سلاح المرأة الأكبر في إبراز أنوثتها، ويتمثّل سلاح الرجل الأكبر في لسانه. هذه السمات الملتصقة بالبيولوجيا، هي ما جعلت نصيب الأسد من الشِعر ينحصر في عالم الذكور؛ لأن حاجة الذكر إلى القول الثقيل أكثر من حاجته إلى جمال شكله؛ والعكس عند الإناث.
لدينا شاعرات.. لكنهن يمثّلن الاستثناء، كما أن لدينا ذكورًا شديدي الوسامة، ويمثلون في عالمهم أيضاً شيئاً من الاستثناء. هذه الاستثناءات وإن كانت مهمة من وقتٍ لآخر، لا تضمن بناء واستمرار العلاقات على المدى الطويل (والله أعلم).
قد تضمن الأنثى حصولها واستمرار علاقتها مع الجنس الآخر بالتسلّح بالسمات الأنثوية أكثر من قوة المنصب أو اللسان أو الحضور، وقد يضمن الذكر مكانته واستمرار علاقته إن ركز على عمله أكثر من شكله.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.