تخطى الى المحتوى

الشباب أم الشيّاب في العمل؟

أحمد مشرف
أحمد مشرف

إن أمسكت أي شخص في الشارع وسألته عن أهمية دور الشباب في نمو الشركات أو القطاعات الحكومية وجلب أفكار ابتكارية وابداعية، وعن نشاطهم غير المنقطع وقدرتهم على التحمّل، سوف تتوقع أن الإجابة هي بوضع المزيد من الثقل على الكلام المذكور، وبأن «الدماء الجديدة» هي التي تساهم في التغيير والنمو بدلًا من «العقليات القديمة» أو «الديناصورات» كما نحب نحن الشباب أن نُطلِق عليهم.

في رأيي أن هذا الكلام يحمل جزءً من الحقيقة.. نصف حقيقة.

نأخذ مثالًا في عالم الأعمال، سأل صديقي العزيز خليل والده (أحد المقاولين المرموقين) عن الخطأ الذي إن عاد به الزمن لتصحيحه في مسيرته المهنية التي تجاوزت الأربعين عامًا ماذا سيكون؟

«تمتين العلاقات الإنسانية أكثر مع الأخرين.. وتقوية العلاقة بوجهٍ أخص مع البنوك!».

«البنوك!» لا تظهر أصلا على خريطة معظم شباب الأعمال في بداياتهم المهنية، هي مجرد حصالة نقدية نضع فيها الأموال ونسحبها منها. وما كان يحاول قوله أبو خليل: أن تقوية العلاقة مع البنوك قد تختصر الكثير من الطُرق في مسيرة بناء الأعمال عبر الاستفادة من التسهيلات المقدمة منهم، ناهيك عن فِهم لغتهم ومخاوفهم وحساباتهم.

ونرى بوضوح أن إمكانية هز رأس الشاب عن أهمية «السمعة المهنية» في بداياتهم في وادٍ وأن محاولة الحفاظ عليها شيءٌ آخر تمامًا، مما يستدعي في بعضٍ من الأحيان اتخاذ شاب الأعمال خطوات جريئة ضد الآخرين أو الموظفين أو قطع علاقة ما أو الذهاب إلى خطوات مهنية لا رجعة فيها لاعتقاده أن المستقبل أمامه، ولا نتائج تتحقق دون أخطار (كاتب هذه السطور وقع في هذا الفخ قبل عشر سنوات).

«أميركا (ونحن) لا تحتاج للذكاء؛ تحتاج لمزيد من الحكمة»

يعلق الكاتب آرثر بروكس، والذي يُشير إلى خطورة وقوع حب المجتمعات في شباب السيلكون فالي الذين في أحيانٍ كثيرة لا يستوعبون مخاطر المنتجات التي بنوها دون أن يعلموا كيفية إصلاح عيوبها، أو كما يصفها:

«ينظر أصدقائي الأكبر سنًا في مجال الأعمال بدهشة إلى الأخطاء التي يجدونها واضحة. وهنا يكمن حل المشكلة: كما أجادل في كتابي (من القوة إلى القوة: العثور على النجاح والسعادة والغرض العميق في النصف الثاني من العمر)، تحتاج الشركات إلى توظيف المزيد من كبار السن في صفوف قيادتها. لتعزيز الابتكار والنجاح الذي يدوم، تحتاج أمريكا إلى أكثر من الابتكار؛ تحتاج إلى الحكمة.»

الابتكار والابداع مهمين في عالم الأعمال، ولكن مستوى بسيط منهم مع ضمان استمراريتهم بوتيرة صغيرة أهم بكثير من حِزمة ابداع لا منتهية دون وجود صمام أمان من الحكمة يجعلها تستمر. ويعلّق بروكس في هذا الشأن:

«في منتصف القرن العشرين، شرع علماء النفس في إيجاد تفسير لغموض عظيم. لاحظ الباحثون منذ فترة طويلة أن بعض المهارات – التحليل والابتكار، على سبيل المثال – تميل إلى الارتفاع سريعًا في وقت مبكر جدًا من الحياة ثم تنخفض خلال الثلاثينيات والأربعينيات من العمر. وفي الوقت نفسه، فإن موهبة المرء في الجمع بين الأفكار المعقدة، وفهم ما تعنيه، وربطها بالآخرين، ترتفع في منتصف العمر ويمكن أن تظل مرتفعة حتى سن الشيخوخة.

كان التفسير الذي ظهر – والذي تم قبوله بشكل عام في البحث خلال العقود الفاصلة – هو أن مجموعتي المهارات تنبعان من نوعين أساسيين من الذكاء: السائل والمتبلور. الأول، وفقًا لعالم النفس البريطاني الأمريكي ريموند كاتيل في كتابه الصادر عام 1971 بعنوان القدرات: هيكلها ونموها وعملها، هو في الأساس القدرة على حل المشكلات المجردة. والثاني يمثل معرفة الشخص المكتسبة خلال حياة التعلم. بمعنى آخر، كشخص بالغ، يمكنك حل المشكلات بسرعة؛ كلما تقدمت في العمر، ستعرف المشكلات التي تستحق الحل. يمكن أن يكون الذكاء المتبلور هو الفرق بين مؤسسة بدون ذاكرة ترتكب الكثير من الأخطاء المبتدئة وتلك التي لديها خبرة عميقة – حتى لو كانت الشركة جديدة تمامًا.»

ما يقوله بروكس لا يخرج أهمية استيعاب أن «الشيّاب» لا يعرفون حل المشاكل بشكلٍ أسرع فحسب، بل ما هي المشاكل التي تستحق أصلًا سرعة الحل.

وبلغة الإنتاجية هذا ما يُفسّر معادلة الوقت المنخفض الذي يصرفه الخبير في عمله مقارنة مع المستجد والذي يتقاضى عليه مبلغًا أقل بكثير. تكاليف الخبير المرتفعة ليست لقدرته الخارقة في الابداع بالضرورة، إنما لتجنب أخطاء قد تكون أكثر كلفة من راتبه. تكاليف الخبير لحكمته وليس لحماسه.

ويضيف بروكس:

«يميل الأشخاص الذين يتنقلون بنجاح في حياتهم المهنية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من العمر إلى الاعتماد أكثر فأكثر على قدراتهم لتجميع المعرفة ومقارنة الحقائق الحالية بأنماط الماضي وتعليم الآخرين. هذا هو الذكاء المتبلور، ويعرف أيضًا باسم دماغ «الدالاي لاما». عند استخدامه بشكل صحيح يمكن أن تكون هذه القدرات أكثر قيمة من الناحية المهنية من نظيراتها السائلة (التي يتميز بها الشباب).

في ثقافة واقتصاد يهيمن عليهما الشباب، تميل الشركات والأفراد إلى زيادة وزن أهمية الذكاء السائل وتقليل الذكاء المتبلور. نطالب بمنتجات جديدة واختراعات مذهلة، ولكن نتجاهل التجربة التي ستخبرنا بها هي آثارها على شركاتنا وثقافتنا ورفاهيتنا. يكمن هذا التحيز وراء التفرقة العمرية في التكنولوجيا والعديد من أجزاء الاقتصاد الأخرى. ولكن الأسوأ من ذلك، أنه يفسر لماذا نحن بارعون جدًا في إنشاء أشياء جديدة تفرط في الوعود وتقلل الإنجاز عندما يتعلق الأمر بالسعادة.»

المصدر:

The Kind of Smarts You Don’t Find in Young People By Arthur C. Brooks

عن العمل وريادة الأعمال

أحمد مشرف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المقالات ذات الصلة

للأعضاء عام

يا صديقي لا أحد يهتم بك حبًا فيك

في الأعمال: لا يكترث الآخرون في الحقيقة بك أو بمشاعرك أو بحسن نواياك، بنفس القدر الذي يكترثون فيه لمصالحهم الشخصية. هذا أمرٌ طبيعي، وإنكاره ضربٌ من الوهم. سيجاملك الاخرون إن طلبت الدعم مرة واحدة، وسيستمرون – دون مجاملة – إن أقرنت هذا الدعم بالمصلحة. من النادر أن تجد شخصًا يشتري جهاز

يا صديقي لا أحد يهتم بك حبًا فيك
للأعضاء عام

أكبر ثروة يمتلكها الإنسان المعاصر

هي قدرته على التحكّم في وقته، كما يُشير مورجان هوسل في الكثير من كتاباته الاقتصادية. لا يجب أن يركّز الإنسان على بناء ثروة، أو البحث عن إمكانية شراء أشياء استهلاكية جديدة. بل على إمكانية خلق نمط حياة يستطيع فيها إدارة وقته؛ يومًا بيوم، كما يشاء. هذه

للأعضاء عام

نوع من أنواع الكسل (أو الغرور)

أن تكون أكثر من نصف كتابات الكاتب عن الكتابة. أو أن يتحدث المغني بإسهاب عن دروسه في تعليم الغناء، أو أن تقوم جهة مهنية بالحديث عن مِهْنِيَّتهَا. الإنتاج صعب، والتعليم سهل.. إن لم يكن هناك شيءٌ يغطي مساحات أكبر من الإنتاج الفني. TRANSLATE with x