نصيحتين في السفر تجنّبك بعض الغباء
لا للصربعة!
١. مهما بدوت مشغولًا أو متعايشًا مع هذا الدور في الحياة، ومهما كانت نفسك الحريرية لا تطيق البقاء ٢٤ ساعة في المدينة التي تسافر إليها؛ لا تسافر ذهابًا وعودة في اليوم نفسه.
عام ٢٠١٣م، قررت زيارة معرض الكتاب في الرياض. كانت روح الشباب مفعمة بالحماس، وفكرة السفر ذهابًا وعودة إلى جدة أكثر إغراءً من المبيت. حزمت ربع حقيبة لملابس الطوارئ، وأخرى كبيرة مخصصة للكتب. تحمست شقيقتي للفكرة، وتحمست أمي أكثر (كانت بكامل صحتها يومها)، وقررا الانضمام، كلٌّ لهدفه.
زرنا خالي —رحمه الله— وهو الهدف الأساسي لوالدتي، وذهبتُ إلى المعرض فتبضَّعت ما استطعت، ثم عدنا إلى جدة آخر الليل. أعتقد أن طائرتنا هبطت قبل منتصف الليل بساعة أو ساعتين.
خلاصة الرحلة: مرهقة حد التعذيب.
وعدتُ نفسي يومها أنني لن أسافر أي رحلة عمل أو مهمة ذهابًا وعودة في اليوم نفسه. المبيت شرط أساسي. وإن كانت الرحلة لاجتماع واحد أو مهمة واحدة، فسآتي قبلها بليلة (وهذا ما أرجحه دائمًا)، ثم أقضي مهمتي مرتاح البال، شبعانًا من النوم وعليل المزاج. أو أن آتي يوم الاجتماع، وأمضي بقية اليوم كما خططت له مسبقًا، ثم أبيت وأعود في اليوم التالي.
لا يوجد سبب حقيقي يجبرك على تعذيب نفسك بالذهاب والعودة في يوم واحد، وعدم الاستمتاع بالهدوء، إلا وسوسة الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء.
٢. مهما اعتقدت أنك إنسان ذكي، فذكاؤك لا قيمة له إن كنت تكرر الأخطاء.
عام ٢٠٢٣م، نسيتُ العهد الذي قطعته على نفسي قبل عشر سنوات. استطاع زميلي (مدير الشركة) أن يقنعني بزيارة مكتب الدمام ذهابًا وعودة في اليوم نفسه، لاجتماع يتيم. وافقْتُ من شدة حماقتي. نسيتُ أن رحلة الدمام أطول من الرياض (ساعتان ودقائق)، واخترتُ حذاءً رسميًا جديدًا لارتدائه مع الثوب.
(وهذه لعنة لا تُرتكب مرتين: إياك وارتداء حذاء جديد أو حذاء لم تختبره في السفر. وقد فعلتها مرتين في حياتي!)
من شدة الإرهاق مرضتُ بعدها. كانت الرحلة متعبة ذهنيًا وجسديًا ونفسيًا، مع التهاب في الكاحل بسبب الحذاء، فأصبحتُ أعرج معظم وقتي في المطار. لعنتُ كل مبرر دفعني لاتخاذ هذا القرار، واستغرقتُ يومًا كاملاً بعدها لمكافحة المرض، ومحاولة وشم تلك القناعة في عقلي حتى تلتصق إلى الأبد.
بعدها صرتُ أستمتع بكل رحلاتي العملية. أذهب وأعود بهدوء، ودرَّبتُ نفسي على ملء أوقات الفراغ بتأملات وقراءات وتواصل مع أصدقاء لم أحدّثهم منذ زمن، إن لم يكن هناك شغل شاغل خارج التزامي العملي. وأهم من ذلك كله: توطيد علاقاتي بأصدقائي في المدينة التي أزورها. غالبًا ما آكل وجبتين على الأقل مع صديق أو اثنين، وأعتبر هذا الاستثمار يعادل —بل يفوق أحيانًا— أهمية الرحلة العملية نفسها.
كتبت هذه المقالة على متن رحلتي من جدة إلى الدمام.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.