تخطى الى المحتوى

كيف دمّرني الكلام التحفيزي؟

وكيف نسيته.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
3 دقائق قراءة
كيف دمّرني الكلام التحفيزي؟
Photo by Ava Sol / Unsplash

توطيد:

توظّفت في أحد البنوك في بدايات عام ٢٠٠٨م، وكانت تلك وظيفتي الرسمية الأخيرة قبل أن أتّجه إلى العمل الخاص ورحلتي الكتابية. انخرطنا قبل مباشرة العمل في دورات تدريبية مكثّفة استمرت أسابيع، شملت تدريبًا على البرامج البنكية (ألفا وبيم)، وأخرى في خدمة العملاء والمبيعات، وثقافة البنك في التعامل مع عملائه، وآلية عمل الهاتف المصرفي. وكانت الأهم في رأيي — دورة تدريبية متخصصة في التعرّف على «غسيل الأموال»، تُجيب على أسئلة جوهرية: كيف نشتبه فيمن يقومون به؟ وما الخطوات الرسمية التي يجب على الموظف اتخاذها عند الشعور بوجود شبهة؟ وما القسم الذي يُبلَّغ إليه؟ وما آليات التصعيد؟ وغير ذلك.

كما كانت تلك المرة الأولى التي أتعرّف فيها على مصطلحين مهمين: السلوكيات «غير الشرعية» و«غير المشروعة». فالسلوك «الشرعي» هو ما أجازته الشريعة الإسلامية من الناحية الفقهية، أما «المشروع» فهو ما أباحه القانون.

فعندما نقول مثلًا: هل شرب الخمر في ألمانيا مشروع؟ الجواب: نعم، لكنه غير شرعي للمسلم. وهو «غير مشروع» في المملكة، إذ لا تسمح القوانين بتداوله حتى لغير المسلمين. وكذلك غسيل الأموال أمر «غير مشروع» في معظم دول العالم، بينما المقامرة «مشروعة» قانونيًا في كثير من الدول رغم عدم شرعيتها دينيًا.

الكلام التحفيزي:

في اليومين الأخيرين من الدورة، كافأتنا إدارة التدريب باستضافة دكتور فاضل — مصري الجنسية، تجاوز السبعين من عمره، ويبدو عليه عمق الخبرة المهنية وثراء التجارب الحياتية. قرر الدكتور الكريم أن يحوّل اليومين الأخيرين إلى محاضرات تحفيزية وتشجيعية لشحذ الهمم، على غرار محاضرات توني روبنز ورشاد فقيه، بدلًا من الجوانب التقنية التي شبعنا منها.

أذكر أنه روى لنا قصة قراره الشجاع في شبابه، حين اختار «العلم» طريقًا بديلًا عن «المال» لنيل التقدير الاجتماعي والانضمام إلى صفوة المجتمع، بعد أن نصحه أحد كبار العائلة بأن الطريق إلى ذلك لا يخرج عن امتلاك أحدهما على الأقل، فاختار العلم.

وفي اليوم الأخير، خصّص الساعة الأخيرة للحديث عن سمات وعادات أنجح من تعرّف عليهم في حياته، وما يجمعهم. لا أتذكر منها شيئًا الآن سوى جملة واحدة ظلت عالقة في ذهني بوضوح: «الناجحون يأكلون ليعيشوا، ولا يعيشون ليأكلوا». وقد أضاف بصراحة أن من كان همّه الأكبر في هذه الحياة بطنه، فإن فرص نجاحه ستكون ضئيلة.

سقطت هذه الجملة على مسمعي كالصاعقة!

كنت منصتًا باهتمام، ممسكًا بورقة وقلم لأدوّن كل السمات والعادات بدقة، عسى أن أكون يومًا منهم. لكن هذه الجملة جاءت كخطأ مطبعي في سياق المحاضرة! فأنا أعرف نفسي جيدًا؛ الأكل اللذيذ من أهم الأمور في حياتي دون منازع. ولطالما اعتبرتُه — من باب الصراحة — أهم من أمور كثيرة أخرى، مما قد يجعل بعض القراء يتوقفون عن متابعة كتاباتي إن أسهبت في الشرح.

ظللت أفكر في كلام الدكتور طوال الليل وأنا في قمة الحيرة. انتهت الدورة وباشرت العمل، والجملة لا تزال معلّقة في ذهني: «هل سأكون فاشلًا بقية عمري لأنني أعيش لآكل؟» أو بمعنى آخر: هل يجب أن أشعر بالذنب لولعي بالأكل؟

كلما حكيت هذا الأمر لأحد المقرّبين، ضحكوا وكأنني ألقيت نكتة، وربما لأنهم يعرفون حقيقة الأمر.

قررت بعدها الاستسلام مبكرًا لطموحاتي في هذه الحياة، واستوعبت أنني لن أملك أملًا في أن أكون ناجحًا، وأنني سأميل إلى منطقة الراحة وحبي للأكل، قائلًا في نفسي: «طز في النجاح». كنت أنظر إلى ما قاله الدكتور الفاضل ككلام شبه مقدس، بحكم سنه وتجاربه وعمري الذي لم بالكاد تجاوز العشرين حينها.

تحوّل الكلام التحفيزي إلى كلام محبط، بل مدمّر لآمالي، وعاتبته في قرارة نفسي: «لماذا أدخلتَ الأكل في الموضوع يا دكتور؟». مضيت في حياتي بعد ذلك بشكل طبيعي، وكانت الجملة تذهب وتعود على مسمعي، لتلعب دور ردّ الفعل المعروف: «كلما خفتَ من شيء، وقعتَ فيه أكثر»، حتى نسيتها تمامًا مع مرور السنين.

استوعبت بعد ذلك أن هذا الكلام كان في حقيقته «مجرد كلام» لا يُغني ولا يُسمن. وحتى لو كان يُفترض به أن يكون تحفيزيًا — أو محبطًا في حالتي — فإنه يظل مجرد كلام.

علمت مع الخبرة أن هذه هي حدود الكلمات والدورات والمحاضرات التحفيزية؛ تشعل شيئًا دراميًا داخلك، ثم ينطفئ سريعًا، سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا.

وعلمت أمرًا بديهيًا: أن الإنسان لا يتغير بشوية كلام، حتى لو تكرر على مسمعه مرارًا. بل الذي يُحدث التغيير الحقيقي هو الصداقات، والعادات، والقناعات، والمحفزات المادية، والخوف من التقصير، والشعور بالمسؤولية، وغيرها.

تتشكّل هذه الحزمة في حياة الإنسان بطريقة معقدة، فإن خدمت مصالحه كانت توفيقًا من الله وحكمة من صاحبها.

فالإنسان ينسى الكلام التحفيزي بنفس سرعة نسيانه للكلام المحبط. أما العادات والأصدقاء والمحيط والروتين والسلوكيات المستقيمة، فهي التي تبقى.

عن العمل وريادة الأعمالسيكلوجيا الإنسان

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

هل نؤجّل متعنا فعلاً؟

شيء من التأجيل لا يضر.

للأعضاء عام

نصيحتين في السفر تجنّبك بعض الغباء

لا للصربعة!

للأعضاء عام

سنوات الدراسة الجامعية ليست للدراسة فقط

بل لاستكشاف الذات وبناء الخبرة وتعلّم صناعة المال.