الشهر: يناير 2022

  • الأمور البسيطة صعبة

    نباهة القارئ الكريم تعي الفرق بين البساطة والسهولة. إلا إنني أود أن أستوقفه لاستعراض الفكرة التي تقول إن البسيط في العادة ليس سهلًا؛ وأرى جديًا أن البساطة هي النقيض للسهولة.

    تريد المزيد من الإنتاجية في حياتك؟ الأمر بسيط.. استيقظ مبكرًا، هل الاستيقاظ المبكر دائمًا سهل؟ لا.

    هل تريد موظفًا استثنائي؟ الأمر بسيط.. ادفع أكثر.

    وزن أقل؟ أقفل فمك.

    لماذا آبل الأفضل في العالم؟ لأنهم الأبسط في تصاميمهم.

    الكلام المؤثر؟ صعب.. لأنه بسيط، مثل أم كلثوم عندما تقول «ياما عيون شاغلوني، لكن ولا شَغَلوُني»، أو مثل وردة عندما تقول «إنت اللي بتسعد أوقاتي وتأثر على كل حياتي أجمل تأثير.. أرجوك ما تسيبنيش وحديا وإن غبت ولو حتى شوية.. كلمني كتير» الكلمات هنا شديدة الأُنس، لأن الغني والفقير والمثقف والمتثاقف يشعرون بإحساسها. براعة أم كلثوم ووردة (مع أصواتهن) هي في قدرتهم على الاختيار.

    وإن راقبت عن كثب، ستكتشف أن أغلب المؤثرين شديدي البساطة فيما يقدموه أو يقولوه لدرجة الاستغراب أحيانًا.

    التعقيد أبو الرفض، في حين أن البساطة هي أم القبول.

  • المقالة ٧٠٧: وما يحتاجه الإنسان معها!

    كل يوم أُخبر نفسي أن اليوم سيكون أسهل في إنجاز الألف كلمة التي يجب عليَ إنجازها، أنظر إلى شاشة الكمبيوتر استغفر ربي على الذنب الذي ارتكبته باختياري لهذه الحِرفة، وأحاول أن أتناسى أنها أصبحت أصعب من البارحة، وأصعب بكثير من اليوم الذي أخبرت نفسي إنني أكتب من أجل التسلية أو إنني كاتب مغمور لن يركز مع تخبيصي أحد!

    ولا زلت أكثر مما مضى أؤمن أن التركيز في الجهود أهم من التركيز على النتائج.

    لا يعلم كاتب هذه السطور أن جائزة الكاتب السعودي ستأتيه بعد أن تجاوز كتابة المقالة رقم «٦٠٠» وأربع كُتب، وبالطبع لم يكن هناك تخطيط لها.

    أقول لمن حولي إنني اخترت حِرفة الكتابة لأنها «الأرخص والأسهل» للتعبير المنتظم عن الأفكار والمشاعر، فليس هناك ألوان وفرش ولوحات، ولا أحتاج إلى عود أو كمان أو مطبخ وبهارات. كل ما أحتاجه هو جهاز الكمبيوتر والقليل من الهِمّة، أو كما أُصوِر لنفسي دائمًا! «ليس هناك ما يُكتب، أنت فقط تجلس على الآلة الكاتبة.. وتنزف» كما يقول هيمنجوي، أو كما استوعبت.

    ولهذا أحترم كثيرًا وأهيم في كل مخلصٍ لفنه ومنضبط في عمله رغم عدم وجود خريطة أو إرشادات في طريقه.

    لولا الكتابة لربما كُنت شخصًا آخر يغرق كل يوم في ظلام نفسه وعُتمة الأفكار.

    ولولا أن هناك أشخاص كريمين بوقتهم يقرؤون.. لاهتزت الأنا وضاعت مع اهتزازها عزة النفس وإحساسها بأن شيءً ما ينقص هذه الحياة.

    أود أن أعترف أن كل يوم تزداد الحِرفة صعوبة.. كل يوم.. وهذا شيء مزعج في الحقيقة.

    إلا أن شيءً ما يظهر لي ويعطيني صفعة تقودني إلى طريق آخر، أعتبره طريق الصراع بين الحب والغضب والاستغفار من الذنب.. ثم بعض الشتم والسِباب العشوائي كل صباح.

    إن قصّرت قليلًا أشعر بالذنب.. وإن كتبت كثيرًا أشعر بالذنب لأنني أملك عائلة وعمل يحتاج إلى انتباه. وإن استيقظت متأخرًا أشعر بالذنب.. وإن استيقظت مبكرًا جدًا أشعر بالذنب أيضًا لأنني لم أعط هذه النفس حقها من النوم.

    أود أن أعترف أن كل رسالة أو اتصال من إنسان عزيز يقابله نوع سخيف من التأنيب الذي يخبرني إنني قصّرت في الالتزام بعدد الكلمات المطلوب مني اليوم؛ فكيف أكافئ نفسي بالخروج لمقابلته؟

    لا تريد صفحة «الورد» أن تتركني وشأني. ولا يرغبون بناتي الأطفال بالاقتناع أن والدهم يحاول إخبار الآخرين بشيء صباح كل يوم، مثلهم زملائي في المكتب، عندما أضع علامة «عدم الإزعاج» على باب غرفتي، ليقتحموها ويسألوني عن شيء مهم حقًا: «تغديت؟»

    لتنقطع مع سيرة الشاورما كل حبال الأفكار أو تختفي تمامًا بِذِكر المطعم الهندي خلف مكتبنا الذي طلبوا منه.

    كل من حولي مذنبون لأنني أنا -من اختار الكتابة- لم أكتب!

    هذه الحِرفة ترتبط بالإحساس بالذنب وبس.

    كل شيء يؤثر ما شاء الله على هذه المهنة النبيلة. كل شاردة وواردة ترتبط بالكتابة، حتى القصص السخيفة والمواقف اليومية، واللحظات الغبية التي يقاطعها أصدقائي بسؤالهم المعتاد «إن شاء الله ناوي تكتب اللي حصل في مقالة؟» لأعِدهم إنني سأتناسى، وأنسى، لأن كل شيء فجأة يزاحم الكلمات!

    واليوم في مقالتي السبعمئة بعد السابعة، أهدي القارئ الكريم المزيد من الحب والتقدير.. وأجدد العهد معه بإخباره أن الكاتب وكتاباته لا شيء دونه. أدام الله ظِله.

    وبخصوص بناتي الذين أحبهم أكثر من نفسي، وزملائي الذين حققوا كل النتائج المبهرة.. أقول لهم إنني أمازحهم مُراح الحبيب لحبيبه، فهم مع بقية أهلي وأصدقائي عالمي الذي أنتمي له، ولا أنوي في أي وقت قريب أن أكون خارجه.

    وكان الله في عون الجميع.

  • لماذا يقرر الإنسان ألا يفكر؟

    نحن نعلم أن قدرة الإنسان (متجاهلين رغبة الإنسان) على البقاء وحيدًا مع نفسه أصبحت أكثر صعوبة من أي وقتٍ مضى. وعندما نقول إن فكرة البقاء وحيدًا وبشكلٍ مؤقت من أجل التفكير في شؤون الحياة تعد من أصعب الأمور (حتى من قبل مشتتات التواصل الاجتماعي) فهي ليست من باب المبالغة.

    ويعتقد «إم سكوت بيك» النفساني المخضرم بأن السبب الحقيقي الذي يجعل الإنسان «يقرر» عدم الجلوس مع نفسه لغرض التفكير لا يخرج عن كونه «أمر مؤلم».

    التفكير السطحي أو عدم التفكير من الأساس لأي مشكلة، أو موقف، أو قناعة، أو خطة تواجهنا تعني إحساسًا (مؤقت) أقل بالألم؛ لأن التفكير العميق يقودنا دائمًا إما للإحساس بالألم، أو لحلول مؤلمة لتحديات سنواجهها.

    عندما يقرر الإنسان ألا يفكر.. فهو يقرر ألا يشعر بالألم.

    عندما يؤجل أحدنا مواجهة الألم فهو يختار الحصول على ألم أكبر في المستقبل.

    ويعتقد «بيك» أن كفاءة الإنسان في هذه الحياة لا يمكن لها أن تتطور إلا إن خصص وقتًا مستقطع ومنتظم من يومه للتفكير.. فقط للتفكير. لأن الإدراك يصعب الوصول له مع خاصية البقاء في طور الاستجابة للأحداث اليومية.

    فلا يمكن للإنسان أن ينجز عملًا ذو قيمة إن كان مستجيبًا لما يُطلب منه من زملائه أو أسرته وأصدقائه. ولا يمكن أن تتحقق الكفاءة المالية مثلًا مع رب البيت إن لم يقرر الجلوس كل فترة لمراجعة حساباته وخطته وما يتوجب عليه القيام به من دخله وادخاره واستثماراته في الحاضر والمستقبل.

    نفس الشيء ينطبق على مستقبل الأبناء، والإجازة السنوية، وخطط التعديلات الخاصة بالبيت، وغيرها. كلما خُصص لها وقت مستقطع للتفكير، كلما كانت تحمل نتائجًا أجود وأقل في مفاجآتها.

    مجرد الجلوس للتفكير هو بلا شك عمل إبداعي ضروري للنمو. وقد يكون هو الوسيلة الوحيدة لتجنب أكبر قدر من المشاكل والتحديات، أو على الأقل الاستعداد لها.

    تخيل أيضًا الجلوس للتفكير حول مواجهة أو الحديث مع شخص ما في موضوع ما حساس! هل تعتقد أن التفكير قبل الشروع في الموضوع يستحق العناء؟

  • عن أهمية علاقتنا بالحلّاقين ومصففي الشعر

    في إحدى السفرات للخارج، ظهر مني سلوك غاضب على غير عادتي بسببٍ تافه لا أذكره، في الوقت الذي تتبع شخصيتي سِمة تتسم بالبرود وعدم الاكتراث للتفاصيل كما يقول بعض المقرّبين. لتعلِّق إحدى أخواتي باقتراح تناول الغداء في أسرع وقت «أحمد جاع، خلونا نتغدا!»، في إشارة بأن السلوك الغاضب كان سببه تأخر الغداء عليَ.

    الإحساس بالجوع الذي أشعرني بالتوتر، يحاكيه بشكلٍ معاكس الشعور بالفرفشة الذي تعطيه زيارة صالون الحلاقة، المشترك بين الإحساسين عدم استيعابنا نحن الرجال بشكل دقيق عمّا يتلاعب بمزاجنا سلبًا أو إيجابًا. فإن جربت وتحدثت مع أي رجل خلال الساعة التي تلي خروجه من الصالون، ستجد أن مزاجه العام أصبح جيدًا، ومن النادر أن يُكون غاضبًا من شيء مع إطلالته الجديدة التي ستُغنيه مؤقتًا عن سفاسف الأمور.

    وكإجراء علاجي: جرب واقترح على أي رجل مُتعب أو مُرهق نفسيًا بأن يقوم بزيارة حلّاقه المعتاد، ثم راقبه عن كثب بعدها، قد تلاحظ تبدُّل نفسيته رغم عدم استيعابه لهذا الأمر.

    إزالة الشعر الزائد من جوانب الرأس لا يهذِّب شكل الرجل فقط، بقدر ما يعطيه إحساسًا عام بأنه أزال شيئًا أكبر معه. تشذيب اللحية أو حلقها لا يُصغِر الرجل بضعة أعوام فحسب، بل يعطيه إحساسًا بأنه قد امتلك وجهًا جديدًا يواجه به هذه الحياة، وقد يُعطيه ثقة مفرطة أمام المرآة تجعله يتمنى لحظتها مقابلة «سكارليت جوهانسون» أو «تشارليز ثيرون»، وفي بعض الحالات قد يتمنى لو استطاع رؤية إحدى نساء المراهقة لحظتها، الذين ضحوا بوسامته وتركوه اليوم نادمين.

    نقلل من أهمية تأثير هذه الخيالات البسيطة على حياة الرجال، ففي الحقيقة يعيش معظمهم حياة رومنسية متكاملة.. داخل عقلهم فقط، وهذا ما يجعل الكثيرين منهم يقللون من تعابيرهم المرهفة أمام نسائهم، ربما لأنهم تشبّعوا بها وعاشوا معظمها مع أنفسهم، ولأن «الأنا» تمنعهم من الاقتراب من أيٍ من الأحاسيس المعبِّرة خشية التهكّم (فين الكلام الحلو دا من زمان؟) أو الاعتراض المبطّن (قلي ايش تبغا ونخلص)، خصوصًا بعد فترات طويلة من الارتباط.

    يعتقد بعض الرجال أن ارتباطهم بالمهام الصعبة في الحياة (الفواتير والأقساط والمستقبل والقرارات المصيرية) يجب أن تبعدهم كل يوم عن امكانية إظهار اهتمامهم بالأمور شديدة البساطة وشديدة التأثير كشكلهم، خصوصًا عند تقدّمهم نسبيًا في السن.

    الكلام المعسول؟ الحلاقة الجديدة؟ كيف لهذه الأمور أن تزاحم حلم بيت العُمر ودُفعات المدارس وقرار شراء سيارة سائق جديدة بعشرات الآلاف؟

    قد يتردد الرجل مرتين قبل أن يسأل أي شخص أمامه «ما رأيك بالحلاقة؟» فهو إما سيواجه مجاملة سريعة متبوعة بموضوع آخر «نعيمًا عالحلاقة.. وجهك بان.. اتغديت؟»، وإما سيكتفي بأي رد لا يتناسب طرديًا مع ما كان في عقله من شخصيات وأحداث منذ لحظات، والتي اشتعلت برومنسيتها على يد الحلاق؛ عكس حالة النساء حينما يستثمرون بعض الوقت يعلّقون أو يناقشون فيها شكل صديقتهم التي غيرت لون أو قصة شعرها.

    «فعلتها استعدادًا للحرب» يخبر جوزيه مورينهو المدرب الكروي الخمسيني الشهير صحفيًا سأله عن سبب حلاقة شعره على «الواحد» بداية أحد المواسم الكُرة مع نادي «تشيلسي الإنجليزي». وقد يكون هذا الأمر محاكاة لصنف آخر من الرجال الذين لا يودون التفكير بشكلهم إطلاقًا، فيتجهون إلى أسهل قَصّة شعر والتي لا تتطلب أي جهد أو تفكير، مع حلق كامل للحية أو إبقاء للشنب فقط. هم يريدون كرِجال تحويل فكرة أهمية الهندام والشكل الخارجي من مراتب عالية إلى أقصى أواخر مصفوفة الأولويات، كنوع من الاسترجال.

    راقب سلوك أو صور رجال العائلة من بداية العشرين إلى الستين، ستكتشف أن حجم الاعتناء بالهندام والشكل اختلف تمامًا مع كل عقد، فكل الأمور الأخرى أصبحت أكثر أهمية من شكل العوارض أو السكسوكة وتسريحات الشعر، ليقف الشنب وحده مع بداية الكهولة معبرًا عن أسهل ما يتمناه الرجل في شكله، وإن كان هناك شعور بعدم الاقتناع، قد يتجه البعض للصبغة في محاولة لمنافسة الزمن وإخبار الذات بأن السوق مازال يتّسع لهم.

    هناك من يؤمن أن وسامة الرجل «بونص» إضافي في حياته، مثلما يكون ثراء المرأة المادي «أمرٌ إيجابي ليس الأهم» في حياتها. وهذا ما قد يجعل دور الحلّاق (وأسعار الخدمات التي يُقدّمها الحلاقين) لا تمثِّل شيئًا بسبب انخفاضها إن قارنّاها مع ما تقدمه صوالين النساء.

    عن علاقة المرأة بمصففي الشعر:

    تتعدى علاقة المرأة كونها علاقة أنثوية تحاول من خلالها إبراز جمالها مع مصففي الشعر.

    «شعر البنت بيكون أحياناً زي المراية اللى بتعكس علاقتها بنفسها.. يعنى لما تكون متضايقة من نفسها.. أو كارهاها.. شعرها يقصف أو يقشر.. لما تكون غضبانة.. محبطة.. مكتئبة.. شعرها يدبل وينكمش ويفقد بريقه.. ولما تبقى منشرحة ومقبلة على الحياة.. شعرها يطاوعها ويلين فى إيديها ويكتسى بلمعان الأمل..

    البنت لما تحب نفسها.. بتهتم بشعرها.. وتراعيه.. وكأنه طفلها المدلل.. ولما تتأزم علاقتها بيه.. وتبدأ تهمله.. وتعامله كأنها رافضة وجوده.. اعرف فوراً إنها رافضة وجودها هي شخصياً» يصف الدكتور النفساني محمد طه علاقة الأنثى بشعرها في كتابه «لا بطعم الفلامنكو».

    «كتير من البنات لما تمر بفترة اكتئاب أو صدمة عاطفية، تروح عند الكوافير تقص شعرها.. وكأنها بتحاول تتخلص من سواد الاكتئاب وكثافته، بالتخلص من بعض كثافة شعرها.. زى ما تكون بتغير مودها ومزاجها عن طريق تغيير شكلها.. وده ساعات بينفع فعلاً.. علشان احنا حالتنا النفسية بتتغير أحياناً من الخارج للداخل.. والكوافير هنا بيعمل اللى مايعرفش يعمله ألف طبيب نفسي».

    وقد يتعارض كثيرًا تعليق الدكتور طه مع الحالة التقليدية في مجتمعاتنا الخليجية عندما تحاول المرأة أخذ موافقة مباشر من شريكها في تغيير لون أو قص شعرها. فهي بلغتها تود أن تُصبح إنسانة جديدة، وهو في منطقه (إن لم يُعط التصريح) يخاف من التغيير! هو فقط لا يريد أي مفاجآت، وهي تريد أن تشعر بأنوثتها.. وأحيانًا تريد أن تقلب حياتها رأسًا على عقب بتغيير شيء بسيط ممثلًا في شعرها، بينما لا يرى هو نفس الأهمية لهذا القرار، وقد تكون هذه الحالة من الحالات التي تُشعل الفتيل بينهم، فهو في وادٍ وهي في وادٍ آخر تجاه هذا القرار الذي يفترض به أن يخصها وحدها.

    القص عندها مثل حالة الرجل.. تعني لها التخلّص من همٍ ما. واللون خاص بها، تود أن تستشعر البدايات الجديدة، كفترة ما بعد الولادة، وصباحية الزواج.. وأحيانًا صفحة جديدة بعد طلاق غير مأسوف عليه.

    طول الشعر عند المرأة اختلف تاريخيًا كمقياس للجمال وأهميته في حياتها.. ففي مجتمعات المرأة غير الحُرّة كان «تمشيط» الشعر الطويل بشكلٍ منتظم لدى الجاريات مع الإبقاء على طوله رمزًا للعزوة والتسلية ومحاولة صارمة لتغيير الانطباع بأن شعرهن غير قذِر!

    وفي القرني التاسع والثامن عشر، كان الشعر الطويل رمزًا خالصًا للجمال لدى الطبقة الارستقراطية، نذكر هنا (سيسي) امبراطورة النمسا والمجر والتي لم تنسجم في نمط حياتها مع البلاط الامبراطوري، والتي عُرفت بجمالها الخلّاب وحرصها على الاعتناء اليومي بشعرها الطويل كإحدى محاولات حرب إحساسها المتوتر في علاقتها مع زوجها ( الذي أحبها أكثر مما أحبته) الامبراطور فرانز جوزيف والذي اشتُهِر عنه سياسته الصارخة ضد الطبقات الدونية وإيمانه المُطلق برِفعة وكفاءة الارستقراطيين لإدارة شؤون الدولة والحياة.

    أما اليوم فإننا قد نواجه صعوبة في إيجاد أميرة أو ابنة للطبقة الارستقراطية تحرص على تربية شعرها لمستوى يتعدى طوله منتصف الظهر، ربما لأن نمط الحياة الجديدة قد شجعهم على الفكرة التي تقول بأن الطول الأنسب للشعر هو الذي لا تحتاج فيه المرأة إلى ربطة شعر خلال يومها، «فالعملية» أهم من إبراز الجمال بطول الشعر، وبالطبع الاستشوار أسهل من التمشيط الذي يأخذ وقتًا طويل.

    في ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٠م، اليوم الذي لحق وفاة والدي -رحمه الله- وجدت نفسي أبحث عن أي شيء سريع يخفف الشعور بفقدان طعم الحياة مع وفاة العزيز.. وجدت نفسي فجأة بعد الوصول من الولايات المتحدة بيوم على كرسي «شاهين»؛ الحلّاق الذي نزوره أنا ووالدي كل فترة منذ أكثر من عشرين سنة. يسألني حن حاله، وأخبره بأنه قد انتقل لرحمة الله.. يسكت للحظات، يعزيني مع قليل من الاستغراب وخوفه من عدم القدرة على التعبير، ليبدأ صامتًا بعدها بالحلاقة.

    ولم يكن يعلم شاهين يومها، أنه قد لعب دور الطبيب النفسي!

    الخلاصة لا تود أن تخرج عن تشجيع القارئ والقارئة الكريمة بتوطيد علاقتهم مع الحلاقين ومصففي الشعر.. ربما نحتاجهم أكثر مما نعتقد، بل تأكدت إنني أحتاجهم بأسعارهم المقبولة في بلداننا بعد أن كُنت أصرِف ما يقارب ٣٠ دولارًا عند كل زيارة (سيئة الجودة) عندما عشت في فلوريدا، وهو رقم كبير في عالم الحلاقين.

    على كل حال، أصبح موعد شاهين على جدولي كل ثلاثة عشر يوم.

زر الذهاب إلى الأعلى