كيف تكون فوضويًا؟ - الجزء الثاني
قصتي الثانية مع جسر الملك فهد وسفري للبحرين.
هنا الجزء الأول:
(٢)
عندما استلمت رسالة الجوال التي تُفيد بأن جوازي قد فُعِّل، انطلقت إلى فندق The Art Hotel الواقع في جزيرة أمواج، وهي منطقة بعيدة نسبيًا عن وسط البحرين. التقيت العم خالد وزوجته المصونة حوالي الساعة ١٠:٣٠م في أحد مطاعم الفندق، ومعهم أصدقاؤهم الأفاضل على طاولة العشاء، التي كانت تزخر بأطعمة الفقرة الأولى من المقبلات، منتظرين حضوري الذي دخل عليهم مع الطلبات الرئيسية. من حسن الحظ أني لحقت التجول في البوفيه وطلب ما يمكن طلبه من النادل قبل إغلاق استقبال الطلبات عند الساعة الحادية عشرة.
كانت ليلة مميزة، حيث استكملنا ما تبقى منها في منزل العم خالد، لتتكرر زيارتي لهم بعد يومين في الفندق البديع نفسه، ولجلسة استمرت حوالي الخمس ساعات، تعرّفت فيها على أصدقاء جدد، وتجددت معرفتي بأن الإنسان يفقد إحساسه بالوقت كلما كانت جلسته مؤنِسة. ثم قابلت في سوق «آفينيوز» بعدها السيدة الفاضلة والأخت القديرة أمينة الرويعي وزوجها الكريم الأستاذ إسماعيل زمان، وهما من رواد الثقافة في البحرين وإداريي أكبر نوادٍ للقراءة هناك التابع لجمعية «كلنا نقرأ»، واللذين تفضلا عليّ بدعوتي على العشاء بعدها في مطعم بحريني تقليدي خطير اسمه الكوار.
كانت ليلتين ولا أحلى، وأحمد الله أن حماسي للقاء الأصدقاء الجدد لا يزال متماسكًا ومتحمسًا كما عهدته.
(٣)
في بدايات العام الماضي، كانت برفقتي إلى الدمام والبحرين – أيضًا بهدف العمل – شقيقتي إيناس (وهي بالمناسبة زميلتي في العمل)؛ إذ أمضينا يومين جيدين. وعند طريق العودة، غادرنا الفندق في البحرين بعد صلاة الظهر متوجهين عبر الجسر إلى مطار الدمام، حيث كانت رحلتنا إلى جدة حوالي الساعة الرابعة والنصف. ونحن فوق الجسر، عندما عبرنا تفتيش الجوازات الخاص بالبحرين ثم جوازات السعودية، وقبل الوصول إلى الجمارك السعودية، حدث أمرٌ غريب!
قررت عجلة قيادة السيارة (الدراكسون) أن تتصلّب تمامًا لعطل طارئ ألمّ بها، ما جعلني أتوقف على جانب الطريق لبعض الوقت، قمت بالاتصال على الشركة التي استأجرت منها السيارة، وأخبروني أنهم سيرسلون لي أحدًا ليقلّني، وهذا الشخص وصلني بعد حوالي الساعتين، ما جعل الرحلة تطير دوننا طبعًا، تكبّدت على إثرها خسارة قيمة تذكرتي عودة إلى جدة.
أثناء انتظارنا، شكوا فينا موظفو الجمارك، ولمّحوا أنه من غير المنطقي أن تتوقف السيارة وسط الجسر هكذا، وعندما اقترحت على أحدهم تجربة قيادة السيارة واكتشف أنني لم أُفتي، اعتذر وطلب من فريق دعمٍ فني القدوم لمحاولة حل المشكلة، وبالفعل جاء ثلاثة موظفين حاولوا يمينًا ويسارًا لعلاج تعلّق العجلة، إلا أن المحاولة باءت بالفشل مع الأسف.
قدم إلينا موظف شركة التأجير، وكان ذا خُلق عظيم، اعتذر نيابة عن شركته، وأقلّنا إلى المطار، بعد أن طارت رحلتنا. أخبرته أنني عميل «بلاتيني» في شركتهم، ومن المفترض أن أحصل على أي شكل من أشكال التعويض عن فوات رحلتي، قام بالتفضل وإعطائي رقم هاتف مدير فرع الخُبر، الذي اتصل واعتذر بحرارة، وعندما طلب رقم هويتي للشروع في إجراءات التعويض، انصدم من حجم المعاملات التي كانت بيني وبين شركتهم المصونة، وأظهر بشفافية مفاجأته معبِّرًا: «والله يا أستاذ أحمد أنت عميل VIP، عدد حجوزاتك معانا كبير وضعف ما تحتاجه لتكون عميل بلاتيني!» طبعًا أخبرته أني - بسبب رحلات العمل الكثيفة – أحاول تركيز حجوزاتي مع جهات معينة لكي أحصل على أفضل ما يمكن من برامج الولاء، وأيضًا شيئًا من التقدير الخاص. وعدني خيرًا، واختفى تمامًا عن وجه الأرض.
ثم تحدثت مع مدير المنطقة الذي تحصّلت عليه من خلال لينكدإن، شكوت له اختفاء مدير الفرع، وأخبرته بالحادثة، وبما أني عميل VIP فإنني أستحق تعويضًا عن الخطأ الفادح الذي نتج عن عدم قيام شركة تأجير السيارات بعمل صيانة دورية لسياراتهم. أذكر أن الأستاذ كان صوته كله نوم، وبالكاد أكمل المكالمة معي، وأخبرني أنني عميل مخلص لهم لأنهم شركة ممتازة، وليس لأني عميل مميز! كان تعليقه مضحكًا طبعًا وفيه استخفاف لأبسط قواعد خدمة العملاء، احتسبت الأجر وخسارتي عند الله، واستوعبت عمومًا أن خدمات تأجير السيارات لدينا وإن كانت عملية جدًا بسبب الأنظمة الرهيبة التي سنّتها الدولة، إلا أن مشكلتي الدائمة لا تخرج من كون السيارات رديئة الحالة، أو قديمة، أو أنه لا تُعمل لها صيانة. أكثر من خمس مرات كنت قد استأجرت سيارات في مدن مختلفة في المملكة، واضطررت لأن أقوم «بترقيع» كفراتها أو نفخها، ما جعلني أرضى بهذا المستوى من الخدمة، فهو المستوى الوحيد المتاح.
عمومًا، تعرّفت على دولة البحرين عمومًا عام ٢٠٢٢م، حيث كان تعرّفي الأول أيضًا للمنطقة الشرقية، حينما دُعيت لإلقاء محاضرة في إحدى فعاليات برنامج «إقرأ – إثراء». ومنذ تلك اللحظة، علاقتي بساكني البحرين والمنطقة الشرقية تزداد حبًا ومودة، حتى وإن كان حبي للجسر الذي يربط بينهما علاقة حب من طرف واحد.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.
