تخطى الى المحتوى

كيف تكون فوضويًا؟ - الجزء الأول

قصتي مع جسر الملك فهد وسفري إلى البحرين.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
2 دقائق قراءة
كيف تكون فوضويًا؟ - الجزء الأول
Photo by Charles-Adrien Fournier / Unsplash

(١)

وعدتُ حمى صديقي – الذي يسكن البحرين – بزيارته مرتين خلال هذا العام؛ حيث إنني أزور المنطقة الشرقية كثيرًا لدواعي العمل، ولكنني لم أستطع الوفاء بوعودي معه. في المرة الأولى، حال ارتباطي باجتماع مفاجئ دون اللقاء، وفي المرة الثانية اكتشفتُ وأنا على جسر البحرين أنني أضعتُ المحفظة التي تحمل هويتي الوطنية. قلبتُ الحقائب رأسًا على عقب للبحث عنها، واكتشفتُ في اليوم التالي (يوم عودتي إلى جدة) أنني في الحقيقة وضعتها في حقيبة الملابس عن طريق الخطأ، وليس في حقيبة الظهر كما اعتدتُ. اضطررتُ إلى أن أقدِّم أحرّ اعتذاراتي له، ووعدتُ للمرة الثالثة بزيارة قريبة.

في زيارتي الأخيرة، استجبتُ للوعد، واتجهتُ من الخُبر إلى البحرين عبر جسر الملك فهد حاسبًا وقت الوصول إليه قبل موعدنا بكثير، في محاولة لتجنّب المفاجآت. وعندما وصلتُ إلى الجسر، أبلغني موظف الجوازات أنني لا أستطيع العبور إلى البحرين باستخدام هويتي الوطنية كالمعتاد. لماذا؟ لأنني استلمتُ قبلها بأسبوعين جوازي المُجدَّد، ولم أفعِّله بعد من خلال أحد مكاتب الجوازات (وهو إجراء طبيعي ومنطقي).

غطيتُ وجهي بيدي، ودخلتُ في نوبة هلع خشية حُكم هذا الرجل عليَّ بالسلب – وهو الذي أُكِنّ له حبًّا وتقديرًا كبيرين – أو أن يعتقد أنني إنسان فوضوي لا أعرف كيف أُدير أبسط أموري. كما أنني فهمتُ منه ومن زوجته الكريمة أن هناك لقاءً مع أصدقاء آخرين، وهم جميعًا ينتظرونني. كان اكتشافي لموضوع الجواز حوالي الساعة السادسة مساءً، وكان موعدنا يُفترض أن يكون في السابعة والنصف.

طلبتُ من موظف الجوازات أن يخترع لي طريقة لحل هذه الأزمة، وإلا «سألطِّش نفسي»؛ فاقترح أن أُفوِّض شخصًا ما في جدة عبر نظام (أبشر)، يأخذ جوازي ويذهب به إلى المطار لتفعيله، كما يمكنني أن أنتظر على جَنَبٍ ريثما يتم الأمر. وبالفعل، قامت زوجتي بالمهمة، واتجهت إلى الصالة الشمالية من مطار الملك عبد العزيز، ولكن الموظف هناك أخبرها بأنه لا يملك صلاحية فِعل هذا الأمر، وعليها أن تتجه إلى الصالة الجنوبية (الصالة الرئيسية للمطار). شجَّعتها بالكثير من الجُمل التحفيزية وشلالٍ من الاعتذارات بأن تذهب، وذهبتْ. استغرق هذا الفيلم حوالي الساعتين، وعندما وصلت إلى المطار، سألها الموظف مازحًا إن كانت لا تمانع سفري إلى البحرين، وإن كانت كذلك، سيخبرني خلف السماعة بأيّ حُجَّة لا تجعل المهمة تُنجز. أخبرته بالطبع أنها لا تمانع، فاقترح عليها أن تطلب مني عِقدًا من الذهب، وأخبرتها إنني سأحاول بدلًا من ذلك أن أشتري لها زعفران.

قررتُ أن أقرأ كتابًا على (كيندل) بدعوى تهدئة النفس ريثما ينتهي الموضوع، وأنا واقفٌ على جانب الجسر الذي كان مزدحمًا على آخره بسبب قدوم نهاية الأسبوع. مئات السيارات عدت من حولي، وقرابة عشرة موظفين مروا عليَّ يسألوني: «وش عندك يالحبيب واقف؟» لأحكي قصتي مرة تلو الأخرى. انتهت وردية بعضهم – بما فيهم موظفو الجوازات والموظف الذي كان مسؤولًا عن مروري – وأتى فريق جديد يستكمل تكرار نفس السؤال، ويسمع نفس القصة.

وصلتني رسالة بعد ساعة ونصف مضمونها أن الجواز قد جُدِّد. شعرتُ بفرح غامر، واتصلتُ على عم خالد لأخبره أنني في الطريق إليه، معتذرًا اثنتي عشرة مرة عن هذه اللخبطة، وقد أعطاني – بطبيعة الحال – محاضرة مختصرة عن ضرورة أن يهتم الإنسان بشؤونه بحرصٍ أكثر، وأن يكون منظمًا. بالطبع جهاز الإيقو الخاص بي لم يتحمل؛ حيث إنني من أكثر المبشّرين على هذا الكوكب لنفس هذا السلوك، ومقتنعٌ أكثر حتى من الجن والعفاريت بضرورة أن يتسلَّح أي إنسان بأقصى درجات التنظيم في حياته وشؤونه وشؤون أسرته، إلا أن للظروف أحكامًا.

التتمة في الجزء القادم.


لأن الطائرة ستقلع الآن إلى جدة من الرياض، فقد قررتُ تقسيم المقالة على جزأين.

عن السفرقصص قصيرة

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

خوارزميات أرض الواقع والسفر

تأملات من رحلة الدمام والبحرين.

خوارزميات أرض الواقع والسفر
للأعضاء عام

هل الصين منعزلة ثقافية بشكل تام أم جزئي؟

تعقيبًا على مقالة الصين السابقة وتعليقًا من أحد مثقفيها.

هل الصين منعزلة ثقافية بشكل تام أم جزئي؟
للأعضاء عام

رحلة الصين

تأملاتي الشخصية من زيارتي الأولى.

رحلة الصين