كيف نلتقط الإلهام وسط الضجيج؟
مقالة ضيف.
لا توجد مصادر ثابتة للإلهام؛ فقد تستلهم فكرة من موقف ما، أو من حديث مع شخص عبقري، أو حتى من حلم. وهذا الكلام لا يخص الفنّانين فقط، بل ينطبق حتى على عالم الأعمال؛ فقد تخطر لمدير تطوير الأعمال فكرة تساعده على تطوير شركته من خلال شراكة مع محل لبيع أسطوانات الغاز، أو متجر للمعدات الرياضية مثلاً.
لذلك، فإن رصد الفكرة والتقاطها من بين آلاف الأفكار التي تمر بعقل الواحد منا عملية مهمة، وتحتاج إلى التدريب.
وهناك بعض الناس الذين يمتلكون هذه القدرة بطبيعتهم. حتى الطبيب الذي أمامه حالة خطرة قد تخطر له فكرة بعد أن قضى ثلاثين عاماً في ممارسة مهنته، من مكان غير متوقع؛ ربما من طفل صغير يرسم في دفتره، فتقوده تلك الملاحظة إلى طريقة لمعالجة الحالة التي أمامه، والتي عجز أطباء آخرون عن حلها. كما أن عن المهندس المدني الذي قد يستلهم فكرة من حيوان ما، ولتكن قطة في الشارع، ليضع حلاً نموذجياً يساعد على إبقاء مبنى بأكمله آمناً.
ولعلنا نتحدث عن بعض الحلول التي توصِل بنا إلى لحظات الإلهام.
أولاً: توقف عن الضجيج
توقف عن مشاهدة الإعلانات في التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، واستغنِ عن ما يشتتك حتى تتخلص من تلك الإعلانات. وفي أسوأ الأحوال، اكتم الصوت؛ لأن الإعلانات مليئة بالضجيج والأفكار، وكل إعلان يريد أن يأخذ حيزًا من عقلك. كل يوم نواجه سيلًا هائلاً منها، منها الجديد ومنها المكرر، وجميعها لديها هدف واحد: أن تغيّر سلوكك إلى ما يرغب فيه المعلن، سواء كان ذلك من خلال دفعك إلى التسوق، أو الاشتراك، أو الشراء. ووسط كل هذا الضجيج، كيف ستسمع أفكارك أنت؟
ثانياً: تجديد عملية التركيز
وكما تنصحني زوجتي دائماً: «اترك الجوال». قد يكون الهاتف الذكي أكبر مشتّت لك، وقد يكون، في الوقت نفسه، أحد أفضل الأدوات التي تساعدك على التركيز؛ فمن خلاله تستطيع، في ثوانٍ، تدوين الفكرة التي خطرت لك في الملاحظات قبل أن تضيع. أصبحت عملية التركيز صعبة مع كثرة المشتتات من حولنا. وقد تبدأ باستعادة تركيزك من أبسط الأشياء: أن تركز أثناء قيادة سيارتك، وأن تركز في عملك، ولكن الأهم من ذلك كله أن تركز مع أهلك وأصدقائك. أن تكون موجوداً بجسدك شيء، وأن تكون حاضراً بعقلك شيء آخر تماماً.
ثالثاً: الوعي بالذات
رفع مستوى الوعي يبدأ بأن تكون مستعداً للمجازفة وارتكاب الأخطاء، وأن تكون مستعداً أيضاً لتقبلها والتعلم منها. فالخطأ الذي تدركه ومستوعبًا لوجوده قد يرفع مستوى وعيك، وإذا ارتفع الوعي، خفّت المعاناة. والوعي يبدأ بالتعرف إلى النفس من خلال المواقف السابقة، خصوصاً المواقف الصعبة منها. حين تعود إلى موقف قديم وتسأل نفسك: لماذا تصرفت بهذه الطريقة؟ لماذا غضبت؟ لماذا خفت؟ ولماذا اتخذت ذلك القرار؟ فأنت تبدأ في التعرف إلى نفسك بصورة أعمق. ومع الوقت، يتحول الوعي إلى إدراك.
ومعنى الإدراك أن تعي الشيء بكامل حواسك وذهنك. تقول مثلاً: «أدركت أنني كنت على خطأ»، أو «لم أدرك أن شخصاً كان قادماً من خلفي». الإدراك ليس مجرد معرفة؛ بل هو لحظة ترى فيها الشيء كما هو. وحين تدرك خطأك وتصلحه، ينمو لديك حس التواضع. ومع التواضع تأتي السكينة إلى العقل، وتخف حدة الأفكار المتسارعة.
وعندما يهدأ العقل، تبدأ في التوقف والملاحظة. تلاحظ أفكارك. تلاحظ ما يستحق أن تتمسك به، وما يجب أن تتركه يمر. وهنا، ربما، تبدأ عملية الإلهام الحقيقية.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.