ماذا يُعلمنا فنجان الشاي الصيني عن الحياة؟
خمسة ألاف عام دون مقبض.
لماذا لم يأتِ أحدٌ من الصينيين ليضع مقبضًا على فنجان الشاي منذ خمسة آلاف سنة؟
لأن هناك عدة أسباب منطقية؛ أحدها مثلًا أنك لن تستطيع تحسّس حرارة الشاي بالمقبض بدقة؛ فإن أمسكت فنجان الشاي الصيني (الذي يُصنع غالبًا من الخزف أو البورسلان)، فحرارته ستحدد إن كان جاهزًا للشرب أم لا. وإن لم تستطع أن تمسكه وتحمله، فإنك ببساطة لن تستطيع شربه.
يُعطي هذا الأمر فرصة للشارب بالانغماس في التجربة كاملة؛ فالشاي يحتاج بعض الوقت لكي يُظهِر طعمه (يُطلِق كما نقول بالعامية)، ويجب أن يكون الشارب حذرًا لكي لا يُلسع لسانه أو يده، ولا يجب أن ينتظره ليبرد تمامًا لأن طعمه سيُصبح غير مستساغ. يستطيع الإنسان العادي أن يستمتع بالشرب لفترة أطول إن استطاع إمساك الفنجان وحمله.
تمامًا مثل الحياة (والعلاقات)؛ تحدد حرارة البدايات مؤشرًا يجب الانتباه إليه، كما أن البرودة تُعطي مؤشرًا على عدم وجود طعم مستساغ لتحمّلها.
إن كان الشارب يشعر بالبرد، فإنه سيجد نفسه تلقائيًا ممسكًا بالفنجان بكلتا يديه متدفيًا به. وإن كان يشعر بالحر، فإنه سيتباطأ حتى تصل حرارة الشاي إلى مستوى معقول للشرب.
سعت الثقافة الغربية إلى زرع الحماس قبل الصبر في الحياة، عكس ما تقدّمه لنا ثقافة الصين، ولذا ربما خُلقت فكرة مقبض الفنجان لكي يتجنب المتحمسون للشرب لسع أيديهم؛ فهم غير معتادين على الهدوء والصبر والتأمل والانتظار، مثل الصينيين.
سبب آخر ولّد فكرة المقابض؛ وهو أن الأوروبيين كانوا يحبون إضافة الحليب والسكر إلى الشاي، وهو ما جعل هذه المكونات الخارجية تتداخل مع طبيعة تركيبة السوائل الطبيعية لتغير حرارتها وطعمها الأصلي بسرعة، وبالتالي أجبروا طعم الشاي على أن يكون مقبولًا لهم، حتى وإن كان ذلك يتعارض مع فوائده.
تمامًا مثل الحياة.. حيث أصبحنا نسعى إلى التعديل الهيكلي والإضافي على أكثر الأمور المفترض لها أن تسير بوتيرة طبيعية، ونقنع أنفسنا أن هذه التعديلات تتسق مع ما نريد.
يعلمنا الشاي الصيني الصبر والهدوء والتأمل وعدم التسرّع، وربما تعلمنا تقاليده أخذ وقتنا الكافي لكي ننغمس فيه، ومع من حولنا في الأحاديث أكثر من الاكتراث للشرب بسرعة.
تمامًا مثل الحياة.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.