تخطى الى المحتوى

ثمن الأجنحة

مقالة ضيف.

حاتم الشهري
حاتم الشهري
ثمن الأجنحة
Photo by Laura Chouette / Unsplash

مقدمة:

هذه المقالة الكاملة (والتي نُشر جزء منها على حساباته في التواصل) لصديقي ووكيلي الأدبي القدير (أبا إيّاد) حاتم الشهري. أعرفه منذ سنوات، وتشرّفت بالعمل معه بصفتي موكلًا أدبيًا لإصداراتي. إلا إنني اليوم أنشر له هذه المقالة (كمقالة ضيف)، بصفتي قارئًا وليست من باب المجاملة، وسيعرف القارئ الكريم أنها ليست في هذا المقام بعد أن ينتهي من قرائتها.

أكتب هذا التقديم من شنجهاي في الصين. وأنا وسط أيام متخمة برفقة العائلة في مدينة نزورها لأول مرة لأيام معدودة، وقد آثرت أن أخصص وقتًا لمراجعة هذه المقالة، والوقوف على نشرها من إعجابي بها.

ومن الصدف اللطيفة أن متابعة قديرة هي التي دلّتني عليها – من خلال لينكد إن– لايمانها إنها قد تروقني، وعندما عرفت أنها لأبا إياد ضحكت وشكرتها، حادثته بعدها وطلبت منه أن يُكرمني ويتفضّل عليَ بنص طويل، واتفقنا على أن تكون عن «ثمن الأجنحة»، حيث نتفق سويةً في تعلّقنا بالسفر وحبه إلا إنه بلا شك قد تجاوزني بأرقام قياسية في اختلاف المحطات والمُدن.

اترككم للاستمتاع.

أحمد


أنا رجل المطارات الذي امتهن السفر.

أعرف العواصم والدول أكثر من عائلتي.

كل سبعة أيام وأنا في رحلة منذ سنوات.

دائما شنطتي جاهزة عند الباب لأني أعلم أن هناك رحلة قادمة.

جربت أن أسافر بتخطيط قبل الرحلة بعدة أشهر وجربت أن أسافر في نفس اليوم، جربت السفر وحيدا وهو الأغلب وجربت السفر مع مجموعة.

طرت في رحلة مدتها خمسة وأربعون دقيقة وطرت في أخرى، ثلاث وشعرون ساعة.

مرة في درجة الأولى والأعمال ومرات في الاقتصادية. قليلٌ عند الشباك ونادرًا في الوسط ومعظم الوقت على الممر.

أحب الطائرة وأكره السيارة ولا بأس في السفينة.

جربت الطيران الاقتصادي والطيران الفاره والطيران المتوسط.

الناقل المحلي والأجنبي والهجين، كل ذلك جربته.

نمت في جناح VIP يتسع لقبيلة ونمت في الهوستيل وبيوت الشباب وجربت أن أنام في العراء في منطقة تخييم وجربت الغرف المشتركة.

كل مرة أزور فيها المطار يسنون قانونًا جديدًا يخص وزن الحقائب، أو الشاحن المتنقل، أو سعة العبوات، وحتى داخل الطيارة فإن شحن الأجهزة الإلكترونية أصبح ممنوعا في إقلاع الطائرة وهبوطها.

سكنت في دبي في غرفة مشتركة في السفينة العائمة كوين إليزابيث 2 حينما كنت في مؤتمر العالمي للفنون.

تشاركت الغرفة مع بريطاني يحضّر الدكتوراة في علم النفس، كانت أيام جيدة لأنه كان يحب الجو معتدلا وأنا أحبه باردا، ولكن بحكم "السلم المجتمعي" مشت الأمور، والسلم المجتمعي معناه أن يتنازل الفرد طوعيًا بجزء من حريته من أجل الصالح العام، وهذا الذي فعلناه معًا.

حينما دعيت لإسبانيا لأول مهرجان شعري في حياتي في عام 2023 كان مقر إقامتنا هو دير موناستيريو دي يوسو في إقليم لاريوخا الذي يبعد عن مدريد تقريبا 300 كيلو، واختير هذا الإقليم تحديدا لإقامة المهرجان الشعري لأنه يقال أن أول بيت شعري قيل في تاريخ إسبانيا كان من هذا الإقليم، ومن نافلة القول أن إقليم لاريوخا مشهورة بزراعة كروم العنب وتصدر أجود أنواع الخمور.

دخلت المسجد والكنيسة والمعبد والمتحف والمقبرة ومستشفى الصحة النفسية وحديقة الفراشات والزهور والحيوانات.

زُرت ثلاث وخمسون دولة، وأربع قارات.

لم أفوت طائرة أبدًا ولم تطر رحلتي بدوني، نعم كادت عدة مرات، ولكنها لم تفعل.

لم تكاد تفوتني رحلة إلا وأنا مع مجموعة.

إذا كنتُ وحيدا فإني أملك زمام نفسي وأمشي على نظام محدد سابقًا وهو أنه قبل فتح بوابة الصعود بساعة أكون عند البوابة تحسبا لأي ظرف، ولكن في حال كان معي صحبة فإنهم يفتّون في عضدي ويقولون: أنت شايب ودقة قديمة ومن هذا الكلام، ومن أجل هذا كادت تطير طيراتنا ونحن نتجول في السوق الحرة أو نكتشف المطار!

طلبت من دكتورة نفسية تعرفت عليها في ألمانيا أن تذهب بي لأقرب مقبرة، تعجبت من طلبي ولكنها رافقتني للمقبرة ومقبرتهم كانت جميلة مزينة بالورود والتماثيل وبعض القبور معلق على شاهد القبر صورة الميت، ونحن في المقبرة نعق غراب بين الأشجار، فقلت للدكتورة: ماذا يعني نعيق الغراب؟ قالت: لا شيء، قلت في بعض الثقافات الشرقية: يعتبر نعيق الغراب أو رؤية الغراب نذير شؤم، فضحكت وقالت بالنسبة لي اقرأ الموقف كالتالي: صادف وجودنا وجود الغراب فنعق لأنه أراد أن ينعق بكل بساطة!

أقصر إقامة كانت اثنا عشر ساعة وأطول إقامة ثلاثة وثلاثون يوم.

بعد أي رحلة متعبة أشتم نفسي والمطار وكل من كان له علاقة بالرحلة وأقسم الأقسام المغلظة أني لن أسافر أبدًا، ثم تأتيني دعوة بعدها بيوم وأقبل مباشرة.

أخون العهود المتعلقة بالسفر وأكسر قواعدي المريحة من أجل تجربة جديدة وتحدٍ آخر.

إذا كانت الوجهة جديدة أو قارة لم أزرها فإني أقبل بالقليل وبالعدم أحيانا، المهم ألا أفوت الفرصة ولذلك خسرت إجازاتي وكثير من أموالي وأنا أجوب العالم.

هل أنا نادم؟

نادم على كل دعوة رفضتها وعلى كل بلد جديد لم تسمح ظروفي بالذهاب إليه وحزين على كل مهرجان لم أستطع العودة له مرة أخرى.

هذبني السفر وعلمت أن الاختلاف واجب وأنه نعمة.

لا يمكن أن نكون متطابقين، العالم لا يتسع للمشابهة وهو وافر في المخالفة.

في جنوب إفريقيا يعدون القدمين شيئا ممتهنا ولذلك لا يلبسون أجمل ولا أغلى الأحذية وحين سألت أحدهم عن ذلك، قال: نحن لا نتصور أن أحدا ما سينظر إلى أقدامنا ولذلك نحن لا نعدها شيئا؛ ولهذا تجدهم يتأنقون في اللبس في سائر الجسد ما عدى القدمين.

ورأيت شعرائهم وهم يخلعون الأحذية قبل صعودهم للمسرح ليلقوا قصائدهم.

على طاري الشعر: مسكين من يقول أن الرواية معبودة الجماهير، إنه الشعر بلا شك.

قد تكون الرواية «الأكثر مبيعا» لكن الشعر «الأكثر تأثيرا».

الرواية لا تُحفظ وليست للإلقاء، إنها للقراءة فقط.

الشعر يُكتب ويُحفظ ويُغنى ونهدهد به الأطفال قبل النوم.

حينما تجوب القصيدة أنحاء العالم، تكون الرواية تلبس حذائها.

قال ابن خلدون: من كان معه مال ولم يسافر فهو إما عاجز أو مريض.

كنت أظن أنني أزور البلدان ثم اكتشفت مع مرور السنين أن البلدان هي التي كانت تزورني. تدخل إليّ بهدوء وتعيد ترتيب أفكاري وتبدل موازين أحكامي ثم ترحل تاركة في داخلي إنسانا لا يشبه من وصل إليها.

لم أتوقع أن يؤثر فيّ بلد مثل البرازيل.

أنا أذوب مع الشعب المتواضع ولهذا أحببت الهند والبرازيل مع أن هناك فرقا بين البلدين.

الشعب الهندي متواضع جدًا وودود، والشعب البرازيلي بشوش ومرح وأكثر حميمية في التواصل.

في البرازيل الناس لطيفين للغاية وهم لطيفين ليس لأجل شيء، إنهم يتواصلون بمودة مع الجميع.

لاحظت عندهم ما يمكن أن أسميه ثقافة اللمس، فهم يلمسونك كثيرًا بأيديهم أثناء حديثهم معك ويربتّون على كتفك ويستقبلونك بالأحضان ويودعونك بالقبلات حتى لو كنت غريبًا.

هذه طريقة تعبيرهم عن الحب والمودة، إنهم يلمسونك ليخبروك بأنك مرحب بك عندهم، وهذا يفعلونه مع الجميع، إنهم شعب لطيف للغاية وطريقة حديثهم وسلامهم تدل على صفاء داخلي.

أكثر الطرق طولا...كانت تلك التي قطعتها بين فكرتين.

بعد هذا التطواف أيقنت أن النقاط المشتركة بيننا وبين الآخر أكثر من النقاط التي تفرقنا، والذكي من يحسن التقاط أكبر قدر ممكن من المشتركات.

هناك مشتركات إنسانية كبرى بين الشعوب سواء في المعتقدات الفكرية أو الثقافية أو حتى الدينية، وهذا لا ينفي أن هناك تباين كبير في نفس الوقت، ولكن ما يهمني هو المشترك وليس المفترق.
رأيت أن كثير من الملابس الوطنية لكثير من الشعوب تتشابه مع بعض ما نلبسه هنا سواء للرجال أو للنساء وكذلك بعض المنسوجات والحرف اليدوية وأيضا كثير من التراث الموسيقي المسموع؛ لأن المسألة في الأخير تعود إلى أصل واحد وإلى منشأ واحد وهو الإنسانية وكلنا نعود إليها.

اكتشفت أن العالم أكبر من أن يزار والإنسان أعمق من أن ينتهي.

في الوقت الذي يتحارب فيه العالم وتكثر الانقسامات والاختلافات بين الجميع، يستحسن بالجميع إدراك كمية النقاط المشتركة بيننا كبشر؛ لأن الإنسانية أمنا جميعا.

مقالات عن سلوك الفنانينشؤون اجتماعية

حاتم الشهري Twitter

كاتب وشاعر سعودي، له ثمانية عشر كتاب، تُرجِمت لاثني عشر لغة، وحاز على ثلاث جوائز عالمية أدبية.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

عن فن ألا تكون متاحًا للجميع

فكر في الأشخاص الذين أسروا قلبك. إنهم لم يكونوا أولئك الذين جعلوا أنفسهم متاحين بلا حدود.

عن فن ألا تكون متاحًا للجميع
للأعضاء عام

اقتراحات يوليو ٢٠٢٦م

بودكاستات ومقالات.

اقتراحات يوليو ٢٠٢٦م
للأعضاء عام

عن مأساة ألا تفعل شيئًا بسبب التصفح اللامنتهي

معاناة تتجدد وتتفاقم كل يوم.

عن مأساة ألا تفعل شيئًا بسبب التصفح اللامنتهي