لا تقرأ التعليقات
لأن السمة العامة في التعليقات لا تواكب جدية العمل.
من أفضل القرارات التي اتخذتها في حياتي الفنية، كانت إزالة خانة التعليقات من مدونتي.
«البشر سيئون حقًا في تفسير مشاعرنا غير العقلانية في سياق عقلاني»؛ كما يقول «سيث جودين» - المدون والمسوّق المعروف - والذي استلهمت منه هذا القرار. فالاعتماد بشكلٍ كبير على التعليقات كمصدر للأفكار أو الإلهام (أو حتى كمصدر للبحث عن انتقاد بناء، والذي لا أؤمن به كثيرًا هو الآخر في عالم الفنون) فكرة ليست جيدة على الإطلاق.
أولًا، تتضح نقطة «مشاعرنا غير العقلانية في سياق عقلاني» عندما نقرأ تعليقات أحد المشاركين على «خرائط جوجل» بوضعه نجمة واحدة في التقييم العام للمطعم؛ لأنهم لم يردوا على الهاتف، أو لأن النادل لم يبتسم له عندما أعطاه الفاتورة! وعلى النقيض، أذكر أحد تعليقات الكاتب بلال فضل معبرًا عن استغرابه من كُتّاب التعليقات على موقع (Goodreads) عندما يعبرون عن حبهم لأحد كُتبه، أو في بعض الحالات يذكرون «أن هذا الكتاب قد غيّر حياتهم»، بعد أن يضعوا ثلاث نجمات من أصل خمس في التقييم العام.
على غِرار هذه التعليقات، تجد عبارة «لا أتفق» موجودة أسفل خانة التعليقات على مقالة كان الكاتب قد صرف ما يقارب الساعتين في كتابتها، أو في بعض الحالات قد نجد تعليقات إيجابية مقتضبة تكتفي بوضع «إيموجي».
عدة مقالات كُنت قد كتبتها في السابق عن ضرورة وجود آلية مقننة ومحددة ومنظمة للبحث عن الانتقاد، والتعليقات بلا شك ليست إحداها، ولا يجب تركها مفتوحة على مصراعيها لتدخل عقولنا. أسباب كثيرة تدفعني لهذه القناعة، أحدها أن أصحاب الفنون بشكلٍ عام بالكاد يدفعون أنفسهم لإنجاز المزيد من الأعمال في ظِل امتلاكهم لالتزامات وأعمالٍ أخرى تزاحمهم. والتحدي الأول الذي يواجه الفنان ليس كمية الإبداع التي يمتلكها في المقام الأول، بل كمية الالتزام لفترات طويلة، مصحوبة بسلسلة من الإنتاجات. والفنانون في النهاية بشر؛ أقل تعليق يمكن له أن يقلب نفسياتهم، وقد يوقفهم أو يحبطهم عن الاستمرار في العمل، ومن غير المنصف أن تتعطل المسيرة بسبب رأي مقتضب من شخصٍ آخر.
ثانيًا، السمة العامة في التعليقات لا تواكب جدية العمل نفسه. ومن تجربتي، يقوم في العادة صاحب التعليق الجدي بأخذ خطوة متقدمة بالبحث عن بريدي الإلكتروني ليكتب لي عن سبب اتفاقه أو اختلافه عمّا كتبت، وهذا الأمر ربما يستحق الانتباه له ويجب الرد عليه.
في الحقيقة، توقفت أيضًا منذ زمن طويل عن قراءة معدل الزيارات في مدونتي؛ فلا أود أن أُغير من أسلوب كتابتي أو الاعتماد على مفردات تخدم آليات البحث (SEO) بسبب نقص أو ارتفاع معدّل الزيارات بناءً على خوارزميات، لا أريد أن أتغير بسبب دافع تقني. أحاول التسلُّح عوضًا عن ذلك بمهارة إنسانية أكثر قيمة، وهي الانضباط.
وبخصوص الأحبة الفنانين المبتدئين؛ أطلب منهم طلب المحب (وليس الناصح) ألا يشاركوا أعمالهم غير المكتملة مع أي شخص أو أمام العامة، فلا قيمة لذلك. وأكرر اقتراحي التقليدي: أن تتم مشاركة أي عمل بعد أن يتم الانتهاء منه تمامًا مع أشخاص محددين مختارين، ليتم التعديل بعدها، أو كما يقول الروائي ستيفن كينج: «اكتب والباب مغلق، أعد الكتابة بعد أن تفتح الباب».
وبالنسبة للتعليقات (خصوصًا على انستجرام وقنوات التواصل الاجتماعي الأخرى) فإنني أقرأها كلها دون استثناء، ويصعب عليَ بصدق أن أكرِّس وقتًا للرد عليها جميعًا، سواء كانت سلبية أو غاية في الإيجابية، قد أدّعي أن الحصانة النفسية داخلي والتي ادخرتها عبر السنين تعطيني نوعًا من الثبات، في حين أنني أرد على كل الإيميلات تقديرًا لتعب صاحبها.
نُشرت هذه المقالة قبل سنوات على موقع «حجر ورقة مقص».
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.