كيف يأتي الصديق في المرتبة الثانية بعد الأم؟
ولا يزال الإعلام يقدم العشق على الصداقة.
لطالما تأملت تساؤلي عن عدم تناول الإعلام للصداقة بنفس حدّية وجدية تناوله لقصص العشق. ربما لأن الصداقة لا تمتلك نفس صخب وغزارة مشاعر الحب، وربما لأن الصداقة تُقولب دائمًا داخل الشكل الممل والممتد في العلاقات، رغم أهميتها التي – في نظري – تتجاوز أهمية الحب.
وقد تناولت في كتابي «وهم الإنجاز» رأي دو بوتون الذي يُشير في أكثر من موضع أن الصديق الحقيقي يأتي في الدرجة الثانية بعد الأم في الاهتمام بنا، فهو لا يكترث بمنصبك وثروتك (وحتى فقرك). لأنه على الأغلب كان قد عرفك بعيدًا عن التغييرات التي حصلت وستحصل معك؛ لا يُقيم لها وزنًا بقدر ما يعطي لوجودك الحقيقي في حياته وزنًا.
فالأم ستحب ابنها إن كان وزيرًا أو مهندسًا، أو ممرضًا، أو عاطلًا. وربما ستفخر به وبإنجازاته، ولن يتعارض هذا الفخر مع إحساس الحب الصادق. كما أن الصديق لن يحكم عليك إن أخبرته أنك أسرفت على نفسك بظلمها، أو أخبرته بأقصى درجات تقصيرك.
الصديق الحقيقي هو الذي يفرز كلامنا المتشعب أو المشوش، ويستخدم ذكاءه في تناول الموضوعات التي نخاف أو نخجل من استكشافها بشكل سليم. يمكننا أن نخبره أننا لا نستطيع اتخاذ قرار بشأن ما سنفعله بعد انتهاء دراستنا، أو في أي جزء من المدينة سنستأجر شقة، أو لماذا تجعلنا أمنا نشعر بالحزن، فيقدم لنا واحدة من أرقى الخدمات التي يمكن لأي شخص أن يقدمها: أن يجلس معنا لمدة ساعة أو ساعتين – ربما مع قلم وورقة – ويحلل معنا المشاعر والخيارات، ويفك العقد التي تعقد أفكارنا المنعزلة. يمكنهم مساعدتنا على معرفة أنفسنا بشكل أفضل مما نستطيع بمفردنا.
– من كتاب حياة أبسط، سلسلة مدرسة الحياة
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.