لعنة الشيخوخة والفراغ والهجران
عندما يُفسد الإهمال كل شيء
يقول الكاتب الساخر عمر طاهر:
الشيخوخة ابنة الفراغ، لا يصاب بها شخص مشغول بشيء ما، قد تظهر عليه آثار استهلاك مركبة الجسد، لكنها تتحول إلى أعراض مهلكة إذا توقفت المركبة تمامًا، الركنة مهلكة سواء كنت إنسانًا أو ماكينة لحام.
ويعرف كثيري السفر أن منازلهم «تشيخ» وتخرب فيها كثيرًا من الشطافات، أو الأجهزة، أو الأثاث من كثرة طول فترة عدم الاستخدام. وأذكر إنني قرأت في كتاب The Food Lab (الكتاب الذي يتحدّث عن كيمياء الأكل وتقنيات الطبخ) أن أفضل وسيلة للعناية بأدوات المطبخ – خصوصًا المقلاة – تكمن في شيء واحد: كثرة الاستخدام.
حكت إحدى السيدات قبل يومين عن شقيقتها التي تركت شقتها في مدينة دبي لمدة ثمانِ أشهر لتعود إليها وتجدها غارقة في عفن «العُتّة»، مما استدعى حملة طويلة عريضة من الصيانة والتنظيف لكي تعود الشقة بالكاد كما كانت.
ولأنني شخصيًا أدّعي اهتمامي الكبير بمفهوم الصيانة في حياتي (في علاقتي مع الأشخاص والأشياء) فإنني اعتدت على برمجة مكيّفات منزلي لتعمل فترات النهار أثناء سفري، مع ضمان زيارة أحد الأقارب لكي يسقي الزرع بانتظام. كما لا أتردد في استقبال اتصالات الأحبة، وزياراتهم المنتظمة، وتلبية كل الدعوات الاجتماعية قدر المستطاع، شاغلًا نفسي للحد الأقصى، آملًا في عدم التقصير.
ورغم هذا الإدّعاء إلا إنني لازلت أذهب وأعود لإحساسي بالخوف من «الفراغ» الذي قد يُصيبني في مرحلة ما عندما أتقدّم في العُمر. فتارة أتوق إلى التقاعد المبكر لكي أتفرّغ للكتابة، وتارة أُصاب بالانبهار من أشخاص مثل بافيت وتشارلي منجر اللذان مارسا أعمالهما الاستثمارية وهم في التسعينات من عمرهم، لأجد نفسي أجلس وأحسب خطة التقاعد بعد السبعين (إن الله أعطانا عمر).
ومع ذلك، أجد أن أحد أكبر النِعم غير المحسوسة في حياتنا هي كثرة المشاغل القيّمة، فمهما كان تأثيرها المؤقت سلبيًا، إلا إنها بلا شك أفضل من مساحات شاسعة من الوقت المهدر على اللا شيء. والنِعمة الأكبر (وهي المحفوفة بالبركة) عندما يكون الانشغال اختياريًا وليس مُلزمًا لنا.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.