تخطى الى المحتوى

عن أفضل كبدة تذوّقتها في حياتي

كيف تلتصق الذكريات حتى في رائحة الأكل.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
2 دقائق قراءة
عن أفضل كبدة تذوّقتها في حياتي
Photo by abdullah alallah / Unsplash

في وقتٍ ما بين عامي ١٩٩٩ - ٢٠٠٠م (في المرحلة المتوسطة)، كنت في زيارة لعب لمنزل صديقَيّ العزيزين ريان وكامل أزهر. وعندما حل وقت العشاء، توقعت أن يكون – كالعادة – وجبة من مطعم ماكدونالدز، حيث إن هذه الفقرة بالتحديد في جميع مراحلي العمرية واختلاف المناسبات التي أحضرها (الرسمية وغير الرسمية) تكاد تكون أهم فقرة في الليلة كلها. وقبل شروعنا في اختيار مطعم العشاء، فوجئت بدخول والدهما علينا، السيد الفاضل والعم القدير فؤاد، ليقترح علينا أن نذهب معه للعشاء في مطعم «كبدة المعلمي» في الفيصلية بجانب دوار الدراجة، والذي لا يزال مفتوحًا إلى اليوم.

كان هذا الاقتراح العجيب الغريب لمن هو في سني محبطًا بما يكفي لكسر أي حماس تجاه الأكل، وقد أصبت ببعض الحيرة لأن الصديقين وابن عمهما الذي كان معنا تحمسوا لهذا الاقتراح. جرجرت نفسي وأنا ساكت إلى السيارة معهم، وطبعًا كان الخجل يحول بيني وبين اقتراح أي خيارات أخرى تتناسب على الأقل مع فئتنا العمرية غير الكبدة.

احتسبت أجر تلك الليلة عند الله، وأخذت معي خيبة الأمل وإحساس الهزيمة إلى السيارة، واقترحت على ما أذكر أن يوصلوني إلى منزلي بجانب ميدان الهندسة والذي كان قريبًا من المطعم، لأن نفسي انسدت مقدمًا، وأود أن أنهي هذه الليلة على خير.

عندما وصلنا، طلب لنا العم فؤاد صحن كبدة لكل واحد فينا مع شوربة حب، وازدادت صدمتي عندما أجرى ابن عمهم تعديلًا على صحنه، ليكون «مشكل كلاوي وكبدة – مع زيادة في نسبة كلاوي»، واعتقدت للحظات أن هذا المراهق المجنون يود أن يقودني إلى الجنون معه.

سكت وانتظرت على مضض وصول أي شيء أمامي لآكله. وكانت الصدمة!

ألذ شوربة حب وكبدة أكلتهما في حياتي!

انفتحت صفحة جديدة في عالمي. لعنت الشيطان الذي كان يوسوس لي باقتراح ماكدونالدز، والتهمت صحن الكبدة (المقلقلة على الصاج الساخن مع البصل والطماطم والفلفل الأخضر الحار، مع تغريقه بالخل) وكأني أتعرف على الكبدة لأول مرة.

في ذلك السن الصغير، استوعبت أن هناك عوالم مختلفة – حتى في الأكل – في طريقها لأن تُفتح لي. وهذا – حسبما علمت عندما كبرت – هو الإحساس النفسي الدقيق الذي يقود الآباء لشعور السعادة الغامر عندما يكتشف الأبناء بصحبتهم تجارب جديدة وعوالم غير مألوفة لهم. ولعل من أكثر لحظات الرومانسية قداسة في حياة المتحابين لا تخرج عن مشهد «رجل يأخذ حبيبته لتجرب معه مكانًا أو تجربة جديدة، منتظرًا ردة فعلها» أو ليجربا سوية تجربة جديدة يتشاركان فيها حس الاندهاش بنفس الدرجة. هذا التأثير هو نفسه الذي يصيب الإنسان الذي اجتهد في شراء هديته لمن يحب، وينتظر بفارغ الصبر ردة الفعل التي ستنسيه تكلفة الهدية وتعب الاجتهاد في اختيارها.

توطدت علاقتي بكبدة المعلمي منذ ذلك الوقت وحتى اليوم. جرجرت العديد من الأصدقاء إلى المطعم في جميع مراحلي العمرية المختلفة بعدها، وفي كل مرة كنت أسمع فيها اعتراضًا على اقتراحي، أصرُّ عليه أكثر؛ وأن يصبروا قليلًا حتى يتذوقوه، وأنتظر ردة الفعل الحماسية التي عشتها قبلهم. (وبالمناسبة لدي مطعم سري هذه الأيام أجرجر عليه أصدقائي وعائلتي مؤخرًا، لكن الوقت غير مناسب لاقتراحه أمام العوام).

كانت سعادتي كبيرة عندما انتقلت إلى أبحر الشمالية واكتشفت أن هناك فرعًا له، بنفس الجودة والطعم. وفي كل مرة أزور هذا المطعم تصيبني عاصفة من الذكريات مع رائحة الطبق عندما يهبط وعند أول لقمة، أدعو معها للعم فؤاد، وأحمد الله أن نعمي التي أستمتع بها في هذه الحياة بعيدة عن اليخوت والساعات والمراقص.

وعندما كتبت ذات مرة عن أفضل مطعم كبدة في العالم (الواقع في إسطنبول)، سُئلت من أحد الأصدقاء إن كان أفضل من المعلمي، وبعد بعض التفكير استقررت على أن كلاً منهما مختلف، لكن بنفس الدرجة من الخطارة.

موضوعي اليوم ليس عن الكبدة طبعًا! بل عن فكرة تشجيع أنفسنا وإعطائها فرصة الاستكشاف، حتى وإن خالفت بعض قناعاتنا. فالعالم عوالم مخفية، نكتشف أنفسنا من خلالها طالما نعيش في هذه الحياة.

شؤون اجتماعيةقصص قصيرة

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

لعنة الشيخوخة والفراغ والهجران

عندما يُفسد الإهمال كل شيء

لعنة الشيخوخة والفراغ والهجران
للأعضاء عام

تحكمّ في نفسك مهما كانت الظروف سيئة

كيف تستخدم أعداءك قبل أحباءك.

تحكمّ في نفسك مهما كانت الظروف سيئة
للأعضاء عام

عن الفرق بين الابتلاء والتروما وما بينهما

أزمة المصطلحات النفسية التي أخرجتنا من المسؤولية.

عن الفرق بين الابتلاء والتروما وما بينهما