لماذا أصبحت حظوظنا من الذكاء أقل؟
في تأمل البحث عن إجابات جاهزة
لعل كل من شاهد المقطع الشهير للدكتور المغربي الطيب بوعزة، والذي قال فيه: «كلما قل حظ المرء من الذكاء، كلما بدا له الوجود أقل غموضًا؛ ذكاء المرء في طرح الأسئلة وليس في الإجابات»، قد يهز رأسه متفقًا مع مضمون الكلام والمقطع لآخره. ولكن عندما نراقب عن كثب سلوكنا وسلوك حتى الأذكياء من حولنا، سنجد أن نسبة الأجوبة والتعليقات الجاهزة أقل بكثير من حجم التساؤلات. ينطبق هذا الأمر على الدين، والسياسة، والعلاقات، والصحة، والرياضة، والتغذية. لا نميل إلى فكرة أن «الأمور أعقد مما نتصور»، ويسهل علينا في كل تساؤل نستقبله أن نبحث عن إجابة جاهزة من مخزوننا.
هذا الطور من التلقي هو ما جعل كثيرين ممن أعرفهم يقرؤون كتبًا غزيرة، يهضمون محتواها أكثر من الجلوس والتساؤل والتأمل حول ما كُتب فيها. أذكر في هذا الصدد زميلة قبل عشر سنوات كانت تفتخر بكونها إنسانة قارئة نهمة منذ عمر السادسة، في حين أنها كانت -بمراقبة بسيطة- تفتقر إلى شيء من الحكمة والقيادة في إدارة شؤون حياتها العملية والخاصة، ولم ينعكس كل ما قرأته على حياتها الواقعية وسلوكها، وكأنه تطبيق لما أشار إليه العقاد: «يقرأ البعض ليتذكر ويقرأ البعض لكي ينسى». تذكر الحكمة وتطبيقها، أو نسيان الواقع المؤلم والهروب منه.
ما دعاني إلى تأمل هذه الفكرة هو غزارة المعلومات المتضاربة فيما يخص الصحة والتغذية مؤخرًا. أتابع الكثيرين (من الأذكياء) على التواصل الاجتماعي، وأكثر ما يلفتني أن كل حزب يقدم معلوماته وكأنها مقدسات لا تحتمل الخطأ أو الصواب، وكل حزب على استعداد حقيقي لضرب الآخر في سبيل إثبات نظريته أو فكرته، وكأن الله لم يخلق كل إنسان متفردًا ومميزًا في تكوينه وجسده وظروفه.
الجدل حول وفاة المرحوم ضياء العوضي ونمط حياته المثير للريبة «الطيبات» أكبر دليل، فهو بلا شك ليس إنسانًا غبيًا. كما أن المتخصصين سيخبرونك بأن معظم ما شاركه في مختلف قنوات التواصل الاجتماعي محض هراء، وفي المقابل ستستطيع بسهولة إيجاد آخرين أخبروك أن حياتهم تغيرت تمامًا لأنهم سمعوا كلامه حرفيًا. لا يدرك الطرفان أن الطبيعة البيولوجية ربما قد استجابت بإيجابية لدى البعض بينما أسهمت في قتل آخرين، أو قتله هو! نكتفي بالجدل والحرب دفاعًا عن الإجابات دون الوقوف أكثر على التساؤلات.
يؤسفني أن مسألة العمر والخبرة هي الوحيدة ربما التي تجعل الإنسان ينأى بنفسه عن الاندفاع ويتجه نحو الهدوء والروية، فنصبح مع تقدمنا أكثر رزانة، فقط إن تسلحنا بالتساؤل أكثر من الإجابات.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.