لماذا لا يتقبّل أصحاب المطاعم الانتقاد؟ - الجزء الأول
شيء اكتشفت أنه تكرر معي منذ سنوات
قبل قرابة الخمسة عشر عامًا، دعاني أحد الأصدقاء لمطعم إفطار كان قد افتتحه صديقٌ له. فكرة المطعم جمعت بين الوجبات الشرقية: الفول، والطعمية، والمناقيش بنوعيها التركي والشامي، المعصوب وغيرها، والوجبات الغربية، مثل البانكيك، وأطباقٍ مختلفة من البيض.
عندما جلسنا، اقترح صاحب المطعم أن يُطعِمنا على مزاجه، وهذا بحد ذاته أمرٌ إيجابي بالنسبة لي، لعدم معرفتي بنقاط قوته، وأيضًا لعدم استقراري بالتركيز على أحد النوعين الشرقي والغربي.
كان الإفطار متوسط الأداء في الحقيقة، وتوقّعت ألا يستمر المطعم لسببين، الأول: عدم وجود خيارات حقيقية شاطحة في تميّزها. والسبب الثاني (وهو الأهم) عقلية صاحبِه الكريم، فعندما طلب منّا عدم دفع الحساب، لأن هذه الوجبة دعوة حقيقية مجانية لتجربة الأكل، طلب منّا إبداء الملاحظات بكل صدق ودون تردد، وهنا كانت المشكلة.
أخبرته ببعض الملاحظات، وأذكر أحدها بدقة وهي ما سأتوقّف عندها، وكانت: أن طبق الفول الأسطواني العميق، والذي تتركز خلطته (الكُشنة) في السطح فقط، تحرمني من تذوّق ٧٠٪ من الفول في الأسفل معها، نظرًا لعمق الطبق، مما يجعلني في أول لقمتين ألتهم الخلطة اللذيذة، ويبقى ما تبقّى من الفول دون خلطة أو زيت أو نكهة.
قفز قبل أن أُكمِل تعليقي، ليخبرني أنه فهِم، وأنه اختار هذا الطبق عنوةً لأنني – كزبون – يجب علي أن أستطعم الفول بنكهته الطبيعية أكثر مما أستمتع بالخلطة الموضوعة على السطح. أجبته بأن الفول «ليس واجيو ستيك» الذي لا يحتاج إلى إضافات، بل إن الفول في الحقيقة طعمه صامت، ولا يمكن أن يؤكل دون إضافات، ومن الأجدى له أن يكون متجانسًا مع خلطته (البصل، الثوم، الطماطم، البهارات، والزيت أو السمن)، إلا أنه لم يتقبّل تعليقي، وحاول إقناعي بأن طريقته هي الطريقة الصحيحة لتناول الفول.
شكرته على دعوته الكريمة، وكان ذلك اليوم آخر عهد لي بالمطعم، ومن سوء الحظ أنه أُغلِق بعد بضعة أعوام.
سأعترف أنني أقوم بنفس ما يقوم به الأخ الكريم مع أحبائي وأصدقائي، فأنا ديكتاتوري أصيل في اختياراتي للمطاعم والطلبات، في السفر وفي الخرجات المحلية. لكنني في النهاية أمارس هذه الدكتاتورية على الأقربين، ولا أمتلك بطبيعة الحال مطعمًا، وإلا لتخلّيت عن الضغط لحساب أذواق الزبائن، حتى وإن كُنت مقتنعًا أن جزءًا ليس بيسير منهم لا يعرفون كيف يأكلون. وقد لاحظت أن معظم من حولي – باعترافهم طبعًا – يحبون هذا الأمر، فزملائي، وضيوفي، وضيوف الشركة، ورفقائي في السفر لا يتعّبون أنفسهم في اختيار أي شيء، لماذا؟ لأنهم يعرفون أن الاختيارات قد حُسِمت مسبقًا من قِبلي. وهذا – من حسن حظي – شكّل راحة بالغة لي ولكل من يسافر معي أو يزورني من الخارج، فقد اكتشفت أن البشر يُريحهم من يختار نيابة عنهم في أشياء كثيرة، ومنها اختيارات المطاعم والخرجات.
وللحديث بقية في هذا الشأن، لأن لدي الكثير لأخبر به.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.