عندما تكتب مرة واحدة فأنت لست كاتب
دعوى للتوّقف عن طرطشة الألقاب.
كنت أجلس بجانب آنسة تصغرني بخمسة عشر عامًا في إحدى أندية القراءة، علمت أنها على وشك أن تنشر كتابها الأول، الذي كان صغير الحجم لا يتجاوز المئة صفحة، وهو عبارة عن مجموعة نصوص نثرية، وكانت هذه تجربتها الرسمية الأولى. كما كان هناك آنسة أخرى كتبت كتابها الوحيد منذ سنوات طويلة ولم تنشر بعده أو قبله أي مقالةٍ أو كتابٍ أو أي نصٍّ رسمي للعلن، تجلس بالقرب.
تعاملت معنا منسّقة النادي بصفتنا «مجموعة الكُتّاب الجالسين هناك»، وقد تكرر توقفها عدة لحظات للإشارة إلينا واحدًا تلو الآخر مع كل سؤال: «ما رأيك بصفتك كاتبًا/ كاتبة؟» حول موضوع السؤال. وقد يُفهم من طرحي هنا أنني شخصنت الموضوع في اعتراضي على ضمي مع شابات طموحات، معطيًا نفسي الحق -على استحياء- بلقب أو هوية كاتب؛ وفي الحقيقة أنني شخصنت الموضوع فعلًا.
يقول الله عز وجل في كتابه: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (المائدة: ٣٨). وقد نفهم من سياق الآية أن الحد المذكور لم يرتبط «بمن سرق مرة واحدة»، بل بمن امتهن السرقة وأصبحت هويته «سارقًا»، وإلا لكان التنزيل الحكيم قد أشار إلى «من سرق أو سرقت فاقطعوا أيديهما..». وهنا محل جدل وإسهاب على كل حال.
تتشكّل هوية الإنسان عندما يعيش مع ممارسة يقوم بها بشكلٍ دوري ومنتظم. فمن يمارس الرياضة بانتظام لفترات طويلة فهو رياضي (حتى وإن كان لم يشارك في مناسبات رسمية)، ومن يرسم باستمرار دون انقطاع «رسّام»، وقد أشارت المدوّنة الأستاذة إقبال عبيد لذلك في مقالتها (التي انتقدت المقالة الشهيرة «كيف تصلح حياتك في يوم واحد») بشكل جيد بقولها:
الهوية ليست إعلانًا داخليًا فقط، بل هي تاريخٌ من الأفعال، وتكرارٌ للسلوك، واعترافٌ اجتماعي ضمنيّ، ومراكمةٌ للقدرة والكفاءة. حين تقول “أنا كاتبة”، لا تصبحين كاتبة لأنك قلتها، بل لأنك كتبتِ وتعثرتِ ثم كتبتِ، وتعلمتِ ثم كتبتِ، وانتظمتِ ثم كتبتِ، إلى أن صارت الكتابة جزءًا من نَفَسك.
حاولت السيدة إقبال التفرقة بين «الهوية» وبين «النية». فهناك فرق جوهري بين نيتك بأن تصبح كاتبًا حتى وإن كتبت كتابًا وحيدًا أو مقالة منذ عشر سنوات، وبين هويتك التي عرّفتها عن نفسك وعرفها الجميع عنك. فكتابٌ واحد أو مقالة واحدة، تعني أنك إنسان كتب مقالة واحدة أو كتابًا واحدًا. في نفس السياق، أعجبني تعليق الكوميديان باسم يوسف في إحدى لقاءاته عندما عرّفه المذيع بالدكتور باسم، ليرد عليه بأنه لم يمارس مهنة الطب منذ أكثر من عشر سنوات، ولذا لا يحق له الاحتفاظ باللقب. وأتفق حقيقة مع هذا الرأي (حتى وإن ظهر لي شخص يرد بأن باسم حاصل على شهادة الطب)؛ لأن الهوية ترتبط كليًا بما يقوم به الإنسان كل يوم وما عُرِف عنه.
وعودة إلى اللسان العربي، فإن لفظ «أب» مختلف في معناه عن «الوالد»، فالأول مرتبط بنشاط تربوي مستمر «أبوة» والثاني عملية مرتبطة بيولوجيًا بالشخص. فليس كل والد أبًا، بينما من الممكن أن يكون العم أو الخال أبًا (لي قريب كان خاله قد رباه طيلة حياته، بعيدًا عن والده البيولوجي الذي رآه مرات بسيطة في حياته). من الممكن أن يكون الوالد هو الأب، لكن ليس العكس بالضرورة. الهويتين مختلفتين.
وفي موضع آخر قالت الأستاذة إقبال:
الواقع أن التغيير، في السلوك البشري، أشبه ببناء عضلة لا بإشعال شرارة؛ العضلة لا تتكوّن من لحظة حماس بل من تكرار رتيب، ومن تصميمٍ بيئيّ، ومن ضبطٍ للانتكاس قبل ضبط النجاح. السلوك هو الذي يبني الهوية. أما الحماس قد يشعلها، ولا يضمن بقاءها.

في مناسبة أخرى، جلست مع شابة تصغرني بقرابة العشرين عامًا، وعندما سألتها عن عملها أخبرتني أنها تعمل «Chef» (أو طاهية) في مطعم. وعندما حاولت إخبارها بأن وظيفتها في الحقيقة «Cook» (طباخة) وليست طاهية، ردت عليّ بما يشبه «إيوة يعني شيف، يعني أطبخ» أو بلغة أخرى «كله واحد». وهنا قد يستقبل الطهاة الأمر كصفعة كبيرة على وجوههم إن سمعوها تتحدّث، والذين قد يشخصنون الموضوع حد الخصام.
كلمة «شيف» أصلها فرنسي وتعني «القائد» أو «الرئيس». تتمثّل مسؤوليته ببعض أو كل الآتي:
- تصميم القائمة وإدارة الفريق.
- ابتكار أطباق من الصفر.
- إدارة المطبخ، والانتباه إلى كيمياء وتقنيات الطبخ، وغيرها.
أما مهمة الطبّاخ:
- طبخ الأطباق، وتنفيذ ما يقوله الطاهي باختصار.
من الصعب أو النادر أن ينتقل «الطباخ» إلى رتبة «الطاهي» بسرعة؛ إذ يحتاج سنوات وسنوات من التعلم والأخطاء والتدريب (والرتابة) لكي يصل إلى تلك الرتبة. لكن التحدي الأكبر أن يصدّق الإنسان نفسه ويخبر الجميع «أنه طاهٍ» بعد أن طبخ طبختين، ليصدقه الآخرون ويتعاملون معه على هذا الأساس.
وإن كان هناك كثيرون ممن يصدّقون أنفسهم، فمن الأجدى أن نتسلّح ببعض الشجاعة وعدم ضم الجميع إلى نفس الدائرة، ليس ذلك ارتباطًا غروريًا، بقدر ما هو تقدير للجهود الحقيقية واستقبال المعلومات والاستشارة من مصادرها الصحيحة. والأهم من ذلك، تقليص حجم الفشخرات علينا، بعيدًا عن طرطشة الألقاب.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.