تخطى الى المحتوى

مشكلة من يحبون السفر

مقالة مطوّلة عن لذة وهم حب السفر.

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
— 6 دقائق قراءة
مشكلة من يحبون السفر
Photo by Samuel Wibisono / Unsplash

(١)
هناك فكرة جريئة، قد تحمل شيئًا من السفسطائية، تقول: «من لا يملك حظًا وافرًا من الخيال، فإنه يعيش على رغبة أكبر في الحصول على تقدير الآخرين». أي كلما نقص حظ الإنسان من قدرته على التفكير والتأمل في نفسه وأفكاره ومشاريعه، ازداد انشغاله بشكله أمام أعيُن الناس.

يحاول فيرناندو بيسوا التعبير عن هؤلاء البشر في وصفه لمن يعشقون السفر: «آه، فليسافر أولئك الذين لا وجود لهم! ... السفر هو لمن لا يستطيعون الشعور... ولا يبرر الاضطرار إلى التنقل من أجل الشعور إلا الفقر المدقع في الخيال».

في الزمن الذي نعيش فيه، أصبح الجميع قادرين على السفر؛ ففِعل السفر أصبح أسهل وأرخص من أي وقتٍ مضى. تستطيع ادخار جزء يسير من راتبك الشهري لفترة، تكون بعدها قادرًا على حجز تذكرة وفندق في مكانٍ جديد في دقائق من خلال هاتفك، ثم تجهز حقيبتك قبل السفر بيوم أو أقل، وخلال ساعات تُصبح في مكانٍ جديد.

تبدأ بمشاركة كل ما تُشاهده على مختلف حساباتك في التواصل الاجتماعي. تشعر بلحظات قليلة من المُتع الخالصة وسط زِحام مشاركاتك وأماكنها وعوائق المدينة التي تزورها. نرى المشاهد الجميلة التي صوّرتها، ولا نرى سوء استقبال الفندق، وزحام المطار، وطوابير الجوازات والأمتعة، والمبلغ غير المبرر الذي دفعته من أجل شراء قارورة ماء، أو ساندويتشٍ باردٍ لا يؤكل. ولعل أحد أكثر الأمور اللافتة في سلوكك هو عندما تتسلّح بشيء من الصدق، وتُجيب عن سؤال أحد متابعيك حول الوجبة الأخيرة جميلة الشكل في مكانٍ أخّاذ، التي صوّرتها وأكلتها، لتخبره «بأنها ليست لذيذة كما بدت في الصورة، ولا أنصحك بزيارة المطعم». تبقى بعدها صورة (وهم) استمتاعك، وخذلان المطعم لك.

السفر، من أجل السفر، هو شعور مؤقت بالهروب من المسؤوليات. يعي كل من يُحِب السفر هذا الأمر، وهو بلا شك أمرٌ مشروع، ومهما بالغ من يُحِب السفر في تبريره بأن «السفر قد أسهم في تغيير حياته» فإنه لن يخرج عن حد المبالغة في الوصف لا أكثر؛ فنحن المقرّبين من محبّي السفر لا نلحظ أي تغيير في شخصياتهم، أو مبادئهم، أو أفكارهم، أو حتى أبسط سلوكياتهم اليومية. يعود المسافرون، مهما طالت أسفارهم، إلى نقطة البداية كل مرة، ليتسمّروا عليها حتى تأتي سفرة قادمة، ليعيشوا ما أسمته «آغنيس كولارد»: «وهم المسافر».

تجادل «كولارد» بأن السفر من أجل السفر لا يجب أن يكون ذا معنى في ذاته، فهو في الحقيقة حدثٌ ترفيهي بامتياز (إن لم يكن من أجل العمل أو العِلم)، وليس كل حدثٍ ترفيهي يستحق أن يحمل شيئًا من المعنى داخله، وأن يُقدَّم للآخرين على هذا الأساس. نلحظ أن الجميع يحبون أن يحكوا عن سفرياتهم – وأنا منهم – بينما قليلون هم من يهتمون بسماع تلك المغامرات المرتبطة بوهم السفر، إلا في حالات نادرة، تنحصر في اهتمام المستمع بشيءٍ محدد في المكان الذي سافرنا إليه، أو إن كانت خلفها قصة شديدة الغرابة والشذوذ. تؤكد «كولارد» ذلك بقولها: «"السياحة" هي ما نسميه السفر عندما يقوم به الآخرون. ورغم أن الناس يحبون التحدث عن رحلاتهم، إلا أن قلة منا تحب الاستماع إليهم. يشبه هذا الحديث الكتابة الأكاديمية وتقارير الأحلام: أشكال من التواصل تحركها احتياجات المُنتِج أكثر من احتياجات المستهلك».

ويتطرّق مورجان هوسل في مقالته «فن وعِلم صرف المال» إلى سلوكيات الكثير من المسافرين:


تخدم معظم أشكال الإنفاق غرضين: توفير نوع من المنفعة لمالكها، وإرسال إشارة ما إلى الآخرين.
من الواضح أن المنازل والسيارات والملابس والمجوهرات تندرج ضمن هذه الفئة. لكن حتى السفر يندرج فيها أيضًا، فكم عدد وجهات العطلات التي يتم اختيارها، على الأقل جزئيًّا، بناءً على ما تعتقد أنه سيشكل صورة جيدة على إنستغرام، أو لمجرد أن الفكرة تبدو رائعة. (أعتقد أن معظم العطلات في بالي تندرج ضمن هذه الفئة).
يقول عالم النفس جوناثان هايدت إن الناس لا يتواصلون على وسائل التواصل الاجتماعي؛ بل يؤدون أدوارًا أمام بعضهم بعضًا. وإنفاق المال يشبه ذلك أيضًا.

عندما يحاول أي إنسان تعريف نفسه لك بأنه «مُحب للسفر» فأرجو أن تتذكّر أن هذا التعريف تقريبًا لا معنى له، خصوصًا إن اقترن كليًا أو جزئيًا بتوثيق غزير في التواصل الاجتماعي. فالجميع يحبون السفر بدرجات متفاوتة، وإن كان السفر بذاته ما يُضفي معنًى حقيقيًا للشخص، فمن الأجدى أن ننتبه إلى أن هذا التعريف، بلغة أخرى، يحمل في داخله وصفًا لحالة غير متوقفة من الهروب، وفي حالات أقل تطرّفًا قد يكون حب استكشاف أصيل دون أي توثيق يُذكر أمام العلن. والأهم إدراك أن ما بداخل عقل الإنسان واهتماماته يجدر أن يكون أكثر من السفر. تُشير «كولارد» لذلك بقولها:


من العلامات التي تدل على أن لديك سببًا للتواجد في مكان ما أنك لا تحتاج إلى إثبات أي شيء، وبالتالي لا تدفعك الرغبة إلى جمع التذكارات أو الصور أو القصص لإثبات ذلك. فلنُعرّف «السياحة» بأنها نوع السفر الذي يهدف إلى ما هو مثير للاهتمام، والذي، إذا كان إيمرسون ورفاقه على حق، يفشل في تحقيق ذلك.
...
«فريق المعارضة [لكثرة السفر] صغير لكنه بليغ. كتب ج. ك. تشيسترتون أن «السفر يضيق الأفق». ووصف رالف والدو إيمرسون السفر بأنه «جنة الأغبياء». أما سقراط وإيمانويل كانط، اللذان يمكن القول إنهما أعظم فيلسوفين في التاريخ، فقد عبّرا عن موقفهما بأفعالهما، فنادرًا ما غادرا مدينتيهما الأُمّين أثينا وكونيغسبيرغ».

جرأة إيمرسون وحدّته (وهو المعروف بتهذّبه وإشادة جمع كبير من المثقّفين بنتاجه الأدبي وفِكرِه) في وصف السفر بأنه «جنة الأغبياء» لا تخرج عن محاولته وصفَ قليلي الحظ من الخيال والمثابرة بشيء من القسوة في تعلّقهم بالسفر. ربما.

وقد يكون امتداد هذه القسوة في الوصف أننا نعيش في زمنٍ كلما زادت فيه سفريات المرء زاد توثيقه لها، وكلما تحدّثت معه عن قضايا هذه الحياة جرّك لتجربته وحكاياته في شبه جزيرة البلقان، وجبال نيكاراغوا، وسماء النرويج الخضراء التي شاهدها وهو يدخّن دون هدف.

السفر لمجرد السفر هو شكلٌ أصيل من أشكال الترفيه والرفاه، ولن يكون، حسبما أؤمن، فيه أي معنى لذاته، خصوصًا إن قُدّم للآخرين بهذا الغطاء، وصُدّر على أنه «إنجاز حقيقي».

(٢)

في الشهرين الماضيين قبل كتابة هذه السطور، سافرت تسع سفرات من أجل مهام مرتبطة بالعمل. معظمها سفرات محلية، وبعضها كان خارجيًا، أعطاني الحظ فيها جزءًا غير يسير إذ سكنت في فندقين يُعدّان من أفخم ما زُرت في حياتي. تخللت السفريات عدة لقاءات بأُناس جُدد، تحوّلت علاقتي ببعضهم إلى علاقة وثيقة تُرجمت إلى شراكة عملية. صاحب تلك السفريات عشرات الزيارات لمطاعم وأماكن جديدة، وبطبيعة الحال الكثير الكثير من جلسات النقاشات العملية.

وصلت إلى حدٍّ أن حقيبة السفر لم تتحرّك من مكانها طوال شهرين كلما عُدت إلى المنزل. أُخرِج الملابس المتسخة، وأستبدلها بجديدة، لمعرفتي بأنني سأسافر خلال يومين. كل شيء استهلاكي لدي منه حبّتان، حبة في حقيبة السفر، وحبة أتركها في البيت، وحتى الملابس المريحة والداخلية، اعتدت على شراء كمية أكبر منها من أجل السفر. اكتشفت أن هذا النمط في حياتي لم يبدأ منذ شهرين، بل منذ سنوات طويلة.

اعترفت لشريكي بأنني أصبحت أشعر بنوع من الغثيان من كثرة السفر، ليخبرني بأنه أصبح يقضي (بسبب أشغال عائلته التجارية) عشرين يومًا من الشهر وهو في مكانٍ ما غير مدينته، حتى اعتاد أبناؤه على غيابه، محاولًا إخباري بأدبٍ أن أصمت.

وصلت إلى مرحلة أنني أصبحت أخلط بين غُرف الفنادق، أضع بطاقة دخول الغرفة على رقم غرفة فُندق آخر سكنتُ فيه قبل يومين في مدينة أخرى. ولأول مرة، أصل إلى مرحلة لا أرغب فيها في تجربة أي مطعم جديد أو لقاء أحباء لطالما كُنت حريصًا على لقائهم عندما أزور مدينتهم. رغم اجتماعيتي التي لطالما ادّعيتها، إلا أن «طفح» لقاء الأشخاص ينعكس سلبًا على نفسية أي إنسان بعد عدة أيام من اللقاءات الكثيرة والمنتظمة. بالكاد كُنت أستيقظ كل صباح، لأجد هاتفي يرن، أرد عليه ويخبرني أحد الزملاء «صباح الخير يا عزيزي، نحن في الأسفل في انتظارك على الإفطار»، أستحم وألبس في وقتٍ قياسي، أنضم إليهم على الإفطار، وأستكمل بقية اليوم مع ضيوفي حتى منتصف الليل، بين الأعمال والاجتماعات والزيارات (وطبعًا المطاعم الرهيبة)، لأعود إلى غرفتي بالكاد أتنفس من فرط الإرهاق، حتى أصبحت كما وصف غازي القصيبي حاله عندما أُرهِق من سفره الغزير في أبياته، مواسيًا نفسه: «جميع المطارات عندي سواء.. جميع الفنادق عندي سواء.. وكل ارتحالٍ قبيل الشروق وبعد المساء سواء.. وكل الوجوه تطاردني عند كل وداع، تلاحقني عند كل لقاء، سواء.. ففيم العناء؟».

أذكر أنني جلست لساعتين في مكتبي في المنزل بعد أن عُدت من هذه الجولة، لا أود الحديث مع أي شخص، ولا أود الارتباط بلقاء أي كائن. أحاول أن أسترجع ما تبقى من النفسية والهدوء، والمساحة لأكتب وأقرأ أكثر، وأستكمل ما تبقّى من طاقة لأُنجز ما تحدّثنا واتفقنا عليه خلال الشهرين اللذين سبقا.

بعد أكثر من أسبوع، اكتشفت أن شيئًا ما ناقصٌ في حياتي، شيء داخلي هبط عليّ فجأة، يعطيني إحساسًا عميقًا بالإلحاح. حاولت أن أتأمله وأفهم ما هو، لأكتشف أنه رغبة ملحة للهروب. رغبة في السفر من أجل السفر. رغبة في استجماع ما يمكن استجماعه من نفسٍ متناثرة. لا تحاول إثبات أي شيء، بل هروب مؤقت من كل شيء.

كل ما يُصيب الإنسان ما هو إلا شيء من التناقض، ومهما كان الإنسان أنانيًا في اعتقاده أنه سالمٌ مما يراه في غيره، فهو على الأغلب ليس على حق.

ورغم كل شيء، يبقى السفر فِعلًا جميلًا، في سبيل العمل أو العِلم أو الترفيه، إلا أنه لا يخرج عن كونه رفاهية وترفيهًا، يكون معه من الأجدى أن يهرب الإنسان إلى داخل نفسه ويبحث عن ذاته بعيدًا عن «وهم السفر» وضرورته.


طالع:

في عدم القدرة على السفر
يعلم القارئ المُخلِص أنني من دعاة السفر. ويعلم المقرّبون أن السفر المنتظم من أقصى الأولويات في حياتي. ولا أتحدث عن طريقة السفر التقليدية عالية التكاليف والاستعداد، وبالطبع لا أقصد في أي حالٍ من الأحوال نوع السفر الذي يحوفه اختيار المكان من أجل التصوير، فإن طلبت من معظم
عن السفر

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

عن أُلفة ما لم نعتده إلا في السفر

لماذا نتغير في السفر؟

عن أُلفة ما لم نعتده إلا في السفر
للأعضاء عام

كيف تكون فوضويًا؟ - الجزء الثاني

قصتي الثانية مع جسر الملك فهد وسفري للبحرين.

كيف تكون فوضويًا؟ - الجزء الثاني
للأعضاء عام

كيف تكون فوضويًا؟ - الجزء الأول

قصتي مع جسر الملك فهد وسفري إلى البحرين.

كيف تكون فوضويًا؟ - الجزء الأول