عن أُلفة ما لم نعتده إلا في السفر
لماذا نتغير في السفر؟
من الحالات التي لم أجد لها تفسيرًا أنني، حين أسافر — إلى إسطنبول مثلًا — أتحول في تفاصيل كياني وتفضيلاتي وهواياتي إلى شخص جديد. حكيت لأحد الأصدقاء قبل أيام، معبّرًا: أشعر أن إنسانًا، أو روحًا جديدة، تلبّستني!
أحرص على شرب القهوة في المقاهي وأنا أقرأ كتابًا، أو أعمل على شيء من مهامي التجارية، في حين أنني لا أفضل كثيرًا القيام بذلك في مدينتي ووسط مجتمعي. أشتري مؤونة الأيام التي سأقضيها، لأستمتع بصنع الإفطار والغداء والعشاء؛ أطبخ بتأنٍّ، وبأقصى ما أستطيع من تفنّن. أقضي أيامي على مهل، أنتبه بعض الشيء إلى طريقة لباسي، وتلفتني أمور صغيرة لا أكترث لها في يومي العادي قبل السفر.
أعلّل الطبخ، مثلًا، بأن المكونات مختلفة وذات جودة أعلى، فتشجّع على التفنن، أو أقول لنفسي إن هناك أسرة تحمل همّ الطبخ في مدينتي، فمن البديهي أن أطبخ لنفسي. إلا أن هذا التعليل، حسبما أعتقد، غير دقيق. ثمة دافع خفي لا أعرف ما هو: ربما الاستمتاع بالهروب المؤقت، أو التحرر من المسؤوليات، وربما بوادر عزلة اختيارية، وربما حالة خامّة من الاستمتاع بالسفر.
حتى وقعت على اقتباس للكاتب الفذ، وأستاذنا القدير، عزت القمحاوي في كتابه «غرفة المسافرين»، يصف فيه ما يحدث داخل النفس، وقد استطاع أن يعبّر نيابة عني وعمّن يشعرون بالأحاسيس نفسها:
نسافر لنلتقي بدهشة المختلف، لكننا لا يمكن أن نتخلى فجأة عما ألفناه طوال حياتنا؛ لذلك ترى مصريًّا يبحث عن مقهى في باريس أو لشبونة يدخن فيه الشيشة التي لا يدخنها في مصر. وإذا لم يجد ذلك المقهى تظل الرغبة تتصاعد داخله، حتى تصبح نوعًا من الفانتازم أو الإلحاح الجنسي.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.