نِعمة الكتابة من النِعم المنسية
وصف بديع من عُمر طاهر
يحكي عُمر طاهر في كتابه «أخوية الطبقة المتوسطة» عن حوار يستحق التأمل في نِعم الله، وعن نِعمة محددة أستطيع أن أستشهد بها شخصيًا، ويقول:
سألت الجد مرة وكان يحدثني عن حساب الله لنا، قلت: سيحاسبنا الله، ولكن هل سيسمح لنا أن نحاسبه؟ تلقف السؤال بابتسامة قائلًا: وعمَّ تريد أن تحاسبه؟ قلت: الحروب، الفقر، صديقي سالم الذي ماتت أمه، الوجع، المرض... قال: هو لم يحاسبك على النعم التي منحها لك، كانت كلها مجانية، عليك أن تسدد فواتيرك أولًا. تذكرت حوارنا منذ شهور، وسألت نفسي إن كنت سددت فاتورة نعمة واحدة، الكتابة مثلًا: نعمة واحدة أدخلتني بيوتًا وقعت في غرامها، أجلستني مع أكابر أصلحوا علل الوجدان، جعلتني ضيفًا في غرف صغيرة في مدن بعيدة، تحت وسادة أحدهم قريبًا من أنفاسه وهو مطمئن، عرفتني على نفسي، صاحبتني على علة الحنين، خففت تلطيم عذاب الضمير، ساعدتني في اكتشاف عظمة ما كنت أظنه عاديًّا في حياتي، لم تسمح للعزلة أن تؤذيني، قدمت لي أفضل ما فيها وابتلعت سمومها، دربتني على الرضا، أعطتني فكرة عن الطريقة التي يجب أن أصنع لنفسي بها معايير للقبول والرفض، منحتني مهارة أن أجد مبررًا وتفسيرات ومنطقًا للأحداث، علمتني كيف أصنع من حماقاتي فطيرة تفاح. ربما كانت آثارها الجانبية مهلكة، لكن الكتابة بطبيعتها تعالج كل ما تسببت فيه.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.