الشهر: يناير 2018

  • طلب مساعدة: شاركني بقصتك عن المكانة الاجتماعية

    اقتربت من الانتهاء من كتابي القادم، وهو يتحدث في ثلاثة مواضيع بشكل مفصل عن بعض الظواهر:

    • محاولة الحصول على الأجر بأسهل الطرق ومن دون تعب: كإرسال الرسائل الدينية على الواتساب، ورسائل يوم الجمعة
    • البحث عن المكانة الاجتماعية: من خلال شراء الأشياء الفخمة، ومن خلال استعراض صورنا على قنوات التواصل الاجتماعي.
    • الفرق بين «العمل الحقيقي» «وما نعتقد أنه عمل حقيقي».

    إن كان لديك/لديكي أي قراءة أو تحليل أو قصة مميزة أو أي مشاركة عن إحدى المواضيع المذكورة، فأرجو إسعادي والتكرم بإرسالها على إيميل: ahmad@amoshrif.com

    مع جزيل الشكر والتقدير …

    ونظراً لانشغالي عما كُنت عليه مسبقاً، أرجو أن تستميحني عذراً بعدم التأكيد أو التعليق والرد على إيميلك المُرسل (إلا إن تطلب الموضوع بعض النقاش أو الأخذ والرد) مع العِلم أنني سأقرأ جميع الإيميلات دون استثناء، مع امتناني الشديد لكل مشاركة ستصلني.

    وأرجو الإحاطة بأن إرسالك للإيميل ربما قد يتطلب بعدها أن أجري مكالمة هاتفية مختصرة مع حضرتك لتدوين بعض التفاصيل، وأتمنى أن لا يكون هناك مانع لهذه الخطوة، مع تحديد الأوقات المناسبة للتواصل (أي وقت بعد الساعة ١٢:٠٠ ظهراً).

    شكراً

  • لماذا لا يرد الروائي نيل ستيفنسون على أحد؟

    إن قمت بزيارة الموقع الإلكتروني للروائي المعروف وصاحب الكُتب الأكثر مبيعاً «نيل ستيفينسون»، سوف لن تجد في أي خانة من خانات الموقع عنواناً بريدي له. وقد يفهم الزائر لموقعه مهمة الكاتب من خلال مقالة (أيضاً منشورة على نفس الموقع) يتحدث فيها عن عدم حرصه على إظهار عنوانه الإلكتروني، تحت عنوان «لماذا أن لستُ مستجيباً جيد»، ترجمت أهم الأجزاء فيها وقد كتب:

    «الكُتاب الذين لا يسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا متاحين طيلة الوقت للآخرين عادة ما يُطلق عليهم باستمرار «غير مهتمين». في حين أنني لا أعتبر نفسي إنساناً «غير مهتم»، ولذلك، فقد وجدت أنه من المهم أن أضع بعض الحدود على تواصلي مع القُراء الأفراد. هذه الحدود تتحول مع الوقت غالباً لإلهاءات ترسل على شكل بريد إلكتروني، أو عندما أقبل باستمرار الانضمام كمتحدث رسمي في المحافل. وهذه المقالة تشرح بشكل كافي لماذا اتخذت نهج عدم السماح لنفسي بالاستجابة للآخرين بشكل مستمر.

    عندما أقرأ رواية تعجبني جداً، أشعر بشكل جدي بتواصلي المباشر مع كاتبها، وأشعر أننا على نفس الوتيرة العقلية والاندماج تجاه بعضنا البعض. وقد يقودنا هذا الأمر لفتح نقاشات مثيرة، أو قد نكون أصدقاء، إن سمحت الظروف بالتقاءنا. عندما توشك الرواية الجميلة التي أقرأها على الإنتهاء أشعر ببعض الإحباط، ويقودني هذا الشعور إلى الحرص على محاولة استمرار علاقتي مع الكاتب، علاقتي المباشرة بالتواصل معه بشكل مباشر من خلال كتاباته الأخرى.

    … الرواية تمثل سنوات من العمل الشاق والذي يتلخص في بضع مئات من الصفحات، مع كل (أو على الأقل معظم) الأفكار السيئة التي حُذفت وألقيت بعيدًا قبلها، إضافةً إلى الإبقاء على الأفكار الجيدة والتي صُقِلت وتكررت قدر الإمكان فيها. التفاعل المثالي مع المؤلف لا يوازيه شيء أفضل كقراءة روايته.

    تنتهي غالباً فرصة الحصول على لقاء المؤلف وجهاً لوجه، بعدم الشعور بالرضى الكامل عنه، بل وربما يُصاب القارئ بخيبة أمل كبيرة من هذا اللقاء.

    المؤلفون في العادة يشاركون في الندوات التي تجمع بين شخصيات مثقفة مختلفة، ولذلك يبدو من المنطقي أن يتوقفوا من وقت لآخر عن كتاباتهم الابداعية لبضع ساعات أو أيام، ليحضروا هذه المناسبات مثل الاتفاقيات وحفلات التوقيع، وورش العمل، وما إلى ذلك، حيث ينبغي أن تتبادل الأفكار مع المؤلفين الآخرين ومع أعضاء المجتمع الآخرين بشكلٍ عام. ولذلك، فإن المؤلفين مثلي في كثير من الأحيان يتلقون دعوات باستمرار لمثل هذه المناسبات.

    قد تبدو الرسائل أو الإيميلات من القُرّاء، والدعوات كمتحدث رسمي أمام العامة، أشياء مختلفة جدًا عمّا نقوم بها. وهي في الواقع نقاط متصلة، وكثيرة الشيوع.

    رسالة الإيميل من القارئ والدعوة للتحدث في مؤتمر ما، على حد سواء طلبات (في معظم الحالات، هي طلبات مهذبة ومنطقية) بالنسبة للمؤلف من أجل التفاعل بشكل مباشرة مع القُرّاء… وبالنسبة لبعض المؤلفين هذا الأمر بسيط ومناسب لهم، ولكن في حالتي، فإنه ليس كذلك.

    هناك ربما القليل أو «لا شيء» أستطيع تقديمه لقرائي عوضاً عمّا قدمته في كتاباتي المنشورة. ويترتب بناءً على ذلك بأن أبذل، ما أستطيع من جهود لكتابة المزيد من الكتابات القابلة للنشر، بدلاً من إنفاق بضع دقائق هنا، ويوم هناك، والرد على رسائل الإيميل، أو الذهاب إلى المؤتمرات.

    كتابة الروايات أمر صعب. ويتطلب أوقاتاً واسعة وغير متقطعة من الزمن. أربعة ساعات هادئة هي التي يمكنني في العادة وضعها موضع التنفيذ لكي أُنجِز. قد أستطيع تقسيم الوقت على فترتين لتكون كل فترة ساعتين، خلال اليوم ولكنها ليست ذات إنتاجية مثل الأربعة ساعات غير المتقطعة.

    إذ أنني لو عرفت مسبقاً أن شيئاً ما سيقاطعني خلالها، لن أستطيع التركيز، وإن ظهر شيئاً ما سيقاطعني خلالها، سأتوقف، ولا أستطيع أن أفعل أي شيء على الإطلاق.

    ومع هذا المثال، أستطيع إنجاز فصلًا محترمًا من الكتاب القادم من خلال عدة أيام متتالية مع فترات زمنية مدتها أربع ساعات، ولكن نفس هذا العدد من الساعات إن انتشر خلال بضعة أسابيع، مع انقطاعات بينهما، يصبح الأمر تقريباً غير مُجدي.

    معادلة الإنتاجية هي ليست خطاً واحد مستقيم ومعروف، وأقصد بذلك، أن هذا هو السبب الذي يجعلني أقول «لماذا أنا لستُ مستجيباً جيد». ولماذا أصبحت نادرًا جداً ما أقبل دعوات عامة، أو محافل من هذا النوع.فإذا كنت ملتزماً بتنظيم حياتي بالطريقة التي وجدتها فعّالة معي فأنا بذلك أحصل على الكثير من الوقت الطويل والمستمر، دون انقطاعات،وبذلك أستطيع أن أكتب الروايات. ولكن الإلهاءات والانقطاعات المستمرة لهذا الحجم الكبير من الوقت المُركز. ستُقلل إنتاجيتي كروائي بشكل كبير.  والسؤال: مالذي الذي سيحل محل هذا الوقت المُهدر؟ بدلاً من الرواية التي سوف تكون موجودة لفترات طويلة.

    وإن كُنت محظوظاً، فسيقرأها الكثير من الناس.

    أرسلت مجموعة كبيرة من رسائل البريد الإلكتروني إلى أفراد، وعدد قليل من المحاضرات التي أعطيتها في مناسبات عِدة، ولا أقول أن المحصلة منها كانت سيئة؛ لكن لا يوجد في إحداها ما يمكن أن أقول عنه أنه كان في غاية الروعة.لذلك بالنسبة لي فإنني قررت أن أختار أحد أمرين: يمكنني أنشر كتابات من سيئة إلى متوسطة الجودة إلى عدد قليل من الناس، أو أن أنشر المواد ذات جودة أعلى لمزيد من الناس، ولا أستطيع أن أفعل كلا الأمرين سويةً. فالأول قد يطمس جهد الثاني.

    عامل آخر في هذا الاختيار هو أن كتابة الخيال كل يوم يبدو أمراً جيدا للحفاظ على صحتي العقلية. فإن مُنِعت من كتابة الخيال، قد أُصاب بالإكتئاب وأُصبِح مصدر تعاسة لمن حولي. وطالما لازلت أكتب، مع كوني شخصاً مناسب يتفاعل مع من حوله إلى حدٍ ما، فقد وجدت أن كل الحوافز تشير في اتجاه تكريس كل الساعات المتاحة لكتابة الخيال.

    أنا لست فخور حقيقةً بأن بعض من رسائلي الإلكترونية قد لا يُرَد عليها نتيجة لذلك. ليس في نيتي أبداً أن يكون وقحًا أو أعطي إنطباعاً بأنني إنسان بارد أو غير مهتم.

    وإذا كنت صاحب الكُتب الأكثر مبيعاً، سيكون لدي ما يكفي من المال لاستئجار موظفين للاهتمام برسائلي الإلكترونية. وفي الحقيق، يتم شراء كتبي من قِبل ما يكفي من الناس الذين يعطيني نمط حياة ضمن الطبقة المتوسطة مادياً، ولكن ليس لما يكفي لتوظيف موظفين. ولذا فإنني أواجه خيارًا صعباً بين كوني مستجيباً سيئ وكوني روائي جيد. وفي الحقيقة، أحاول أن أكون روائي جيد، وآمل أن يغفر لي الناس لكوني مستجيب سيء».

  • احترام الذات في التشاؤم

    «تكمن سعادتنا الكُبرى في أن يتم احترامنا؛ لكن لا يميل من يحترمنا إلى التعبير عن احترامهم، حتى لو كان مبعث الاحترام جميع الأسباب الممكنة. وبذا فإن أسعد إنسان هو من استطاع احترام نفسه بإخلاص، مهما حدث» يقول شوبنهاور (الفيلسوف الأكثر تشاؤماً في التاريخ).

    لا أجد أي عمل بحثي مثير للحماسة، كالبحث عن بصائص أمل وأنوار تفاؤلية من خلال كتابات شخص بالغ الظلمات مثل «شوبنهاور».

    الواقعية المفرطة – حسب قناعاته – والتجرد الغريب الذي يرسمه لنفسه والذي قاده إلى المبالغة في التشاؤم من هذه الحياة، قد يقودك إلى قناعات رائعة من زاويتك، تترسخ في عقلك بسبب ندرتها أو حِدتها، مثل الاقتباس المذكور أعلاه.

    خذوا الحكمة من أفواه المجانين … ليست جملة تنظيرية، بقدر ندرة الحِكمة أصلاً التي يتفوه بها المجانين!

    فأسهل شيء يقوم به أي إنسان عاطل عن العمل أو هلاس، بأن يقول حكمة يدندن بها على أسماعنا، ولا يطبقها في حياته.

  • الفضفضة

    القلق لا يغير شيء …

    الفضفضة … تزيل ٣٠٪ من القلق (ربما).

    البحث عن شخص تفكر معه بصوتٍ عالي، أفضل وسيلة للفضفضة.

    «تعرف أنك مع صديق حقيقي، عندما تفكر معه بصوت عالي» يقول رالف والدو إيميرسون.

    النصيحة يجب أن تُطلب … تطلب خلال أو بعد الفضفضة. ولا يجب أن تأتيك من تلقاء نفسها.

    النصيحة التي تأتيك دون أن تطلبها، لا تُسمى نصيحة.

    تُسمى على الأغلب محاولة من إنسان, لسان حاله يقول: «أنا أفضل منك، ولذلك أعطيك نصيحتي الآن».

  • هلا بالخميس

    أكره بطبعي الأصوات العالية، وبعض المقاطع ذات الأصوات المزعجة والتي تسوق لبداية «نهاية الأسبوع» تعتبر مؤشراً حقيقي، بأن الإنسان لدينا فعلاً ينتظر نهاية الأسبوع بفارغ الصبر، وكأنه يريد أن يهرب من حياته مؤقتاً إليها.

    الحياة قصيرة.. وبالتأكيد ليست أيامها محصورة في يوم الخميس أو نهاية الأسبوع. والتساؤل الذي يستحق الوقوف عنده هو: هل فعلاً تعيش حياتك التي اخترتها لنفسك؟ إن لم يكن كذلك؛ هل تتقدم كل يوم خطوة لتلك الحياة؟

    عندما يأتي الخميس، فهو يخبرنا دوماً بما نريد أو لا نريده من حياتنا.

  • نصيحة في مقارنة الذات

    لي عدة أيام أعيش انبهاراً كبير عن بعض الإنجازات الفردية (اليومية) لبعض من أتابعهم في المجتمع الغربي، وتحديداً في أمريكا.

    «ريان هوليدي» الكاتب الشاب والتسويقي المعروف، يركض يومياً مسافة ١١ كلم خلال خمسين دقيقة، ويقرأ في السنة ما يعادل ٢٥٠ كتاب، منذ عام ٢٠٠٧. يعيش في مزرعة، ويكتب كل عام من كتاب لكتابين، دون ذِكر مقالاته الطويلة (تتجاوز معظمها ١٠٠٠ كلمة) والتي ينشرها كل أسبوع، طبعاً هو إنسان متزوج، لديه طِفل، ويدير شركتين صغيرة.

    وآخر أتابعه على موقع Goodreads يسمي نفسه Hadrian استطاع قراءة ٢٠٠ كتاب خلال عام ٢٠١٧، وعندما انتهى العام أبدى اعتذاره لهذا العدد القليل نسبياً من الكتب التي قرأها مع المقارنة مع السنوات الماضية، وبرر ذلك أنه تلقى ترقية مؤخراً في عمله، مما جعله أكثر انشغالاً من ذي قبل، وأيضاً ذكر أن الكُتب التي قرأها في عام ٢٠١٧ كانت معظمها ثقيلة الحجم (بعضها تجاوز ١٥٠٠ صفحة).

    ستيفن كينج (أستاذي وبطلي الشخصي) أنجز ثلاثة أعمال ثقيلة الوزن في ٢٠١٧ كان آخرها رواية Sleeping Beauties  مع ابنه أوين، وقد تجاوزت تلك الرواية ٧٠٠ صفحة. ستيفن كينج الآن في منتصف السبعينات من عمره، وهو أكثر إنتاجية وغزارة وانضباط عمّا كان عليه في مرحلة شبابه، ناهيك عن مشاركته بإنتاج العديد من الأفلام والمسلسلات الناجحة على نيتفليكس في السنوات القليلة الأخيرة، وستلاحظ هذا الأمر إن كنت أحد المشتركين فيه.

    إن أخبرتك عزيزي القارئ عن المزيد من الأمثلة (بالمئات) أخشى أن أصيبك قليلاً بالإحباط. لأنني دائماً ما أردد أن مشكلتنا في النشأة … النشأة التي لم تخلق منّا ربما مثابرين في جوانب مختلفة من الحياة إلى هذا الحد. ما يلفتني عن المذكورين أمرين في الحقيقة، أولها أن نمط المعيشة عندهم يتضمن أضعافاً مضاعفة من خيارات الترفيه والمشتتات عن التي نملكها، ولم تؤثر رغم ذلك عليهم. وثانياً، أنهم ناجحين مسبقاً؛ فإن توقف أحدهم – مجازاً – عن تأدية المزيد من العمل، فنجاحاتهم السابقة ستشفع لهم هذا التكاسل.

    مقارنة الذات ومحاولة الوصول لأحدٍ من محيطنا الضيق قد لا تكون بالضرورة خياراً مغري، على الأقل بالنسبة لي. والمقارنة مع التطلع لما يفعله الآخرين في بقية الكرة الأرضية، سيدفع بك للتركيز على تحقيق جزءً مما حققوه لنفسك، ويبعدك هذا الأمر عن الكثير من الإنجازات الوهمية في محيطنا، والتي – مع الأسف – قد نصرف الكثير من الجهد خلالها للبحث عن أبطال حقيقيين.

  • مقالة عن الانتاجية: الجدولة وليس قائمة المهام

    جربت هذا الأمر … وقد نجح حتى اللحظة.

    تخصيص الوقت من خلال التقويم وحصر المهام فيه (حتى وإن كانت المهمة الواحدة ستأخذ عشرة دقائق فقط) خلال اليوم، أفضل مئة مرة من كتابة قائمة المهام وتركها لتنجز نفسها بنفسها.

    افتح صباح كل يوم تطبيق التقويم على جوالك أو جهاز الكمبيوتر، وزع المهام التي يجب أن تنجزها على الساعات المتاحة لك خلال اليوم، وأضف أيضاً المهام الشخصية أو الترفيهية. ولا تركز على كتابة قائمة المهام to do list.

    ابتعد قدر المستطاع عن المكالمات المطولة، وابتعد أكثر عن حضور الاجتماعات.

    ولا تنسى بالطبع تناول وجبة الغداء!

    وستجد فرقاً لا بأس به في حجم انتاجيتك اليومي.

  • من هو الغبي، المثقف أم المتلقي؟

    «يمنحنا كل عمل صعب خيارًا نحكم فيه إما على المؤلف (أو المثقف) بكونه أحمق لعدم وضوح أفكاره، أو على أنفُسنا بكوننا حمقى (أو أغبياء) لعدم استيعاب ما يحدث. ويحثنا (الفيلسوف) مونتين على لوم المؤلف. فالأسلوب النثري العصي على الفهم يميل إلى كونه ناتجاً عن الكسل أكثر من الذكاء؛ وما يُقرأ بسهولة نادرًا ما يكون قد كُتب بسهولة»* يذكر هذا الأمر آلان دو بوتون معلقاً.

    ويشرح مونتين: «الصعوبة عُملة يستحضرها المتعلمون كي لا نكتشف خواء دراستهم، ويميل الغباء البشري إلى قبولها مسبقاً.»

    وهنا أسأل سؤال غريب: هل تذكر المرة الأخيرة عندما قلت لنفسك «يبدو أن ما يتحدث فيه هذا المثقف أمرٌ كبير، لكنني لا أفهمه!» وتبرر لنفسك بعدها: «هو صاحب عقل أكبر من عقلي، ولذلك يتكلم كلاماً أكبر مني!».

    الغباء يقود أحياناً الإنسان لقول كلام واستخدام مصطلحات صعبة لا يفهمها الآخرين، وكذلك ينطبق هذا الأمر على أصحاب الثقافة أو المثقفين (أو ما أسميهم النخبويين)، فكلما ازدادت الكلمات والمصطلحات الرنانة صعوبة، كلما كان الأمر ببساطة هو محاولتهم لإخفاء جهلهم أو لإخفاء كسلهم.

    لا ينطبق بطبيعة الحال هذا الأمر على الثقافة المتخصصة (كالطب، والفيزياء والعلوم الأخرى التي تحمل داخلها بطبيعة الحال مصطلحات خاصة بها) ورغم ذلك، يظل المثقف الأكثر ذكاءً – حتى وإن كان صاحب تخصص – هو من يوصل فكرته بأبسط الطُرق ودون تكلُف.

    ولذا، إياك أن تعتقد أنك إنسان تحمل بعض الغباء إن لم تفهم ما يريد قوله المثقف أو أي شخص آخر؛ فهو على الأغلب يحاول أن يتذاكى ليقول لك «أنا أفضل منك، ولذلك أنت لا تفهمني».


    * دو بوتون أ. عزاءات الفلسفة، دار التنوير (ط ٢٠١٧)، ص١٩٧

  • قصة قصيرة: صاحب المحفظة الفخمة وتاجر الخُضار

    هذه المقالة اقتباس من كتابي القادم والذي سيُصدر في وقت ما في ٢٠١٨.


    عندما كُنت أعمل في أحد البنوك سابقاً، قام بزيارتي في يوم من الأيام أحد العملاء لتوقف حسابه البنكي بسبب عدم تحديثه لبياناته.

    كان يغلب على الرجل اهتمامه الشديد بهندامه، أذكر جيداً أنني عندما طلبت منه بطاقة هويته للبدأ في التحديث، أخرج محفظة من أفخم الماركات مليئة بالبطاقات البنكية. حسابات مع بنكنا وحسابات في بنوك أخرى. اعتدلت في جلستي خشية أن يكون صاحب هذا الحساب أحد عملاء الخدمات الخاصة (ذات الأرصدة المرتفعة). أول ما لفت نظري أن رصيده لم يكن يتجاوز بضعة آلاف، وعند شروعي بالأسئلة التي تخص التحديث والمطلوبة من مؤسسة النقد (أين تعمل؟ كم راتبك؟ هل يوجد مصادر دخل مختلفة لك؟ أين تسكن إلخ.) تفاجئت أن الرجل إنزعج بشدة من أسئلتي، وتوقف تماماً عن الإجابة عليها. حاولت إقناعه أن هذه الأسئلة لا تخصني بصفة شخصية، بل إنني أقابل يومياً عشرات العملاء دون أن أُفرِق أو أذكر أسمائهم ومناصبهم لأحكم عليهم من الأساس. على كل حال، استمر إصرار الأخ الكريم على الرفض بالإفصاح، مما استدعاني للشكوى إلى مدير الفرع الذي أتى بدوره محاولاً إقناع العميل الكريم بضرورة الإجابة على أسئلتي؛ وإلا لن تتم إجراءات التحديث.

    خجِل الرجل .. وأخبرني أنه يعمل مدير مكتب لأحد رؤساء الأقسام في أحد الشركات المعروف. بالطبع لا يوجد أيُ عيب في ذلك! لكنني استشعرت من إجابته الخجولة أنه لم يكن يُريد الإفصاح عن منصبه الذي لم يكن يعكس هندامه بالغ الأناقة وبطاقاته البنكية الكثيرة، بل أذكر أنه قال لي بدايةً أن وظيفتي «مدير» لكنه لم يذكر أنه «مدير مكتب»!.

    على كل حال، كان راتبه لم يتجاوز خمسة آلاف ريال، وبالكاد ذكر هذه المعلومة التي لا تهم أي شخص في البنك ولا تهمني أبداً، بقدر أهمية الإفصاح عنها من أجل قاعدة بيانات البنك تجاه عملاءها.

    كان تفكير الرجل حرفياً في وادي ومطالباتي بالإفصاح في وادٍ آخر.

    أتفهم اليوم حرص هذا الرجل على إظهار صورة لا تعكس حقيقته. وأجد أن سلوكه ما هو إلا محاكاة للكثيرين منّا في المجتمع، ولعل منصبه الذي يستدعي التواصل المستمر مع مدراء ورجال أعمال وشخصيات مهمة من أجل مديره المباشر قد ساهم بالتأثير على مشاعره الداخلية، التي تخبره أنه مثلهم وربما أكثر أهمية منهم.

    لم يستطع حرصه على ممارسة هذا الاستحقاق للأهمية حتى خارج دائرة عمله نسيانه أنه مجرد موظف، ونسي أيضاً أننا مجرد موظفين نريد أن ننتهي من الدوام لنعود إلى غداء البيت أو الشيشة.

    وكم أتمنى أن لا يكون هذا الرجل ممارساً لهذا السلوك حتى مع أصدقائه، الذين سيكيلون له بوابل من «المحشات» والاستهتار، مما يزيد الطين بلة على نفسيته المتضاربة، ويجعله يمارس مثل هذا التحذلق مع الغريبين عنه للتعويض عن النقص الذي كان يشعر به (كما كان في حالته معي).

    أذكر عميلاً آخر، كان كلما ذُكر إسم شخصية مهمة قفز ليخبرني أنه يعرفه أو تعشى معه في يوم من الأيام، وأخبرني أكثر من عشرة مرات في عملية لم تتجاوز  ساعة؛ أنه رفض العديد من المناصب (ذكرها واحداً واحداً)، بل أنني قاطعته وسألته عن شهادته لأسجلها في نظام البنك، ليخبرني على الفور «دكتوراة … لكن للأسف انسحبت قبل انتهاء رسالتي منها!».

    قصة تاجر الخضار باختصار كانت العكس تماماً. رجل خمسيني متواضع جداً في هندامه، أخرج لي إثباته – غير السعودي – من كيس بلاسيتك وهو مُطبّق (*). لا أذكر نوع العملية التي أتى من أجلها، إلا أنني أذكر تماماً أنه لم يكن يقرأ أو يكتب، ولم يكن يملك توقيع، ليكتفي بالبصمة فقط لإتمام معاملاته البنكية. تفاجئت عند دخولي لحسابه أنه «عميل خدمات خاصة» بل أنني استغربت بدايةً أنه لم يذهب لقسم الخدمات البنكية الخاصة من الأساس لأكتشف أنه لا يعلم الفرق أصلاً، ولم يكن يحرص على هذا الفرق على أيٍ حال!

    كان هذا الرجل الكريم يملك بضعة ملايين، وعند سؤالي له عن عمله، أخبرني أنه تاجر خضروات وفواكه في الحَلَقة (سوق الخضار) وأنه يملك العديد من الثلاجات التي يؤجرها ويتاجر من خلالها مع تُجار آخرين.

    أتممت خدمته وودعني بعدها بحرارة وترك في نفسي القليل من الذهول. خصوصاً أن توقيت زيارته لم يكن بعيداً عن الأخ الكريم مدير المكتب والدكتور الذي خانه الحظ.


    (*) كانت هوية غير السعوديين سابقاً تشبه جواز السفر، ويمكن تطبيقها تطبيقتين إن كانت شديدة الاهتراء.

  • تركيز السنة الجديدة

    موجات اعتراض واجهتها عندما سألت إثنين من أصدقائي الطموحين عن أهدافهم للسنة الجديدة (٢٠١٨). ليرد علي أحدهم: «أقوم كل سنة بعمل العكس تماماً، أنظر للسنة الماضية، وأحدد الأخطاء التي فعلتها فيها، لأتجنب فعلها في السنة الجديدة، ولا شيء سوى ذلك».

    ويخبرني الآخر: «سنتي باختصار تبدأ في شهر يونيو … فالكل يتشجع لتحقيق الكثير من المهام المعروفة بداية كل عام، ولدوافع نفسية، قررت ألا أخوض نفس الموجة حتى وإن كانت أهدافي مشابهة لأهداف الآخرين …».

    ودون ذِكر إحصائية دقيقة في هذا الشأن، إلا أنه من المعروف وبنظرة منطقية ربما، حجم المشتركين الكبير في النوادي الرياضية بداية كل عام جديد توازياً مع قرارات صحية جديدة يقوم بها الفرد، بل وتزدحم معظمها خلال شهر يناير فقط، ليختفي معظم الحضور في الأشهر التي تليها!

    شخصياً، لم أعطي تركيزاً كبير للسنة الجديدة بصدق، إلا أنني استهدفت بشكل مبدأي وبصراحة، إصدار أكثر من كتاب جديد خلال هذا العام. مع هدف يتكرر كل عام دون أن أنجح فيه مع الأسف؛ وهو قراءة المزيد من الكُتب.

    على كل حال، سآخذ بتجربة الصديقين، وسأذكركم بحول الله إن نجحت بإصدار أكثر من كتاب خلال هذا العام.

    كل التوفيق للجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى