تخطى الى المحتوى

أنت لا تحتاج كل هذا التطرّف في حياتك

كيف تكون متزنًا في عصرٍ مسعور؟

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
3 دقائق قراءة
أنت لا تحتاج كل هذا التطرّف في حياتك
Photo by S'well / Unsplash

في البحث عن حياة أكثر اتزانًا في عصر مسعور ومتطرّف تجاه كل شيء، يحاول «ويستينبيرج» في مقالة عظيمة مطولة بعنوان «كن عاديًا تجاه الأشياء» أن يخبرنا بأن الإنسان أصبح يخوض معاركًا متطرفة في كل شيء وكل قضية، ويستعرض خطة بديلة لذلك.

معظم الناس لا يحتاجون إلى أن يصبحوا متعصبين بشأن التغذية. إنهم بحاجة إلى البروتين والألياف والخضروات والماء، وتقليل تناول قطع الحلوى، وعلاقة أقل هستيرية مع وجبة غدائهم.
معظم الناس لا يحتاجون إلى تحول أيديولوجي كامل. إنهم بحاجة إلى قراءة أكثر من مصدر واحد، والتوقف عن الخلط بين الانطباعات والحقائق، والاعتراف بأن المشاكل المعقدة هي — في الواقع — معقدة.
معظم الناس لا يحتاجون إلى تحويل كل صراع اجتماعي إلى لغة علاجية، أو لغة قانونية، أو لغة حرب، أو لغة تحرير. إنهم بحاجة إلى التحدث كبالغين، والاعتذار عندما يخطئون، ووضع حدود دون تنظيم مؤتمر صحفي، وترك الأمور الصغيرة على حالها.
لا يحتاج معظم الناس إلى الانخراط «بكل قوتهم» في كل اتجاه، وكل قضية، وكل خطاب، وكل غضب، وكل نظام للتطوير الذاتي، وكل إطار للإنتاجية، وكل ذعر أخلاقي، وكل ترف، وكل خوف.
إنهم بحاجة إلى حياة تتمتع بقدر كافٍ من التنظيم لدعمهم، وبقدر كافٍ من المرونة للسماح لهم بالتنفس.
ثقافة التطرف تغرينا بإقناعنا بأن الشدة = الفضيلة. إذا كنت تهتم بصحتك، فيجب أن تهتم بها بطريقة تستهلك شخصيتك. إذا كنت تهتم بالعدالة، فيجب أن تكون غاضبًا طوال الوقت. إذا كنت تهتم بالنجاح، فيجب أن تضحي بالراحة والصداقة والكرامة. إذا كنت تهتم بالكوكب، فيجب أن تشعر بالذنب عند عمل أي طلبية. إذا كنت تهتم بجسدك، فيجب أن تراقبه كأنه أصل معادٍ. إذا كنت تهتم بعقلك، فيجب أن تحول كل شعور إلى لوحة تحليلات.
هناك أشياء كثيرة تستحق الاهتمام.
لكن كلما زادت قيمة الشيء الذي يستحق الاهتمام، زادت خطورة التطرف.
التصرف بغرابة تجاه الأمور — أي التطرف بجميع أشكاله — قد يبدو مغريًا، وقد يحقق نتائج جيدة، لكنه ينهار دائماً.
الإنترنت يكره التوازن لأن التوازن يبطئ الحركة.
الشخص المتوازن يصعب التلاعب به. فهو لا يشتري المكمل الغذائي على الفور، ولا ينضم إلى الحشد، ولا يشارك في الغضب، ولا يتبنى التسمية، ولا يصاب بالذعر عند قراءة العنوان. لديه حاجز بين المحفز والاستجابة. يمكنه أن يقول: «ربما»، «المعلومات غير كافية»، «يبدو أن هذا مبالغ فيه»، «لست مقتنعًا»، «لست بحاجة إلى اتخاذ موقف بشأن هذا»، والأخطر من ذلك كله: «سأقوم بتسجيل الخروج».

الكثير مما يُعتبر قناعة هو في الحقيقة ضعف في التحكم العاطفي.
والكثير مما يُعتبر انضباطًا هو في الحقيقة شعور مزمن بالقلق.
[...]
يمكن للشخص العادي أن يكون لديه مبادئ. في الواقع، ربما تكون مبادئه أفضل، لأن مبادئه لا تُعاد صياغتها باستمرار بفعل الأدرينالين. يمكنه معارضة القسوة دون أن يصبح قاسياً، ويمكنه السعي إلى التميز دون أن يحتقر الراحة. يمكنه الاهتمام بالطعام دون أن يخشى العشاء أو الحلوى أو التقليد النبيل المتمثل في وجبة البيتزا الباردة في منتصف الليل.
يمكنه أن يكون طموحاً دون تحويل كل ساعة إلى صفقة. يمكنه أن يتواجد على الإنترنت دون أن يسمح لـ«الخط الزمني» بأن يفرض عليه نظرة للعالم.
يبدو الأمر بسيطًا، لكنه صعب.
فنحن نتعرض باستمرار لوابل من ألف ودعوة صغيرة تدفعنا إلى الجنون. الدعوة إلى التصعيد؛ الدعوة إلى التبسيط؛ الدعوة إلى الانتماء من خلال الكراهية؛ الدعوة إلى تحويل عدم الأمان إلى عقيدة؛ الدعوة إلى تحويل الانزعاج العادي إلى حالة طوارئ؛ الدعوة إلى التعامل مع حياتك الخاصة كأنها محتوى؛ والدعوة إلى استبدال العمق بالحدة.
في النهاية، عليك أن ترسم خطاً في الرمال وتبدأ في رفض جرعة الدوبامين التي تحصل عليها من الذهاب إلى أبعد من اللازم.
من المحتمل أن تخيب آمال الأشخاص الذين يريدونك أن تكون أكثر تطرفاً — لأن تطرفك سيبرر تطرفهم.
المتعصب يريد رفقة، والمهووس يريد مرآة.
الخوارزمية تريد أشخاصًا جُدد.
الغوغاء تريد إضافة صوتك إلى الهتاف.
العلامة التجارية تريدك أن تشعر بالنقص.
المرشد الروحي يريد شكوكك.
أن تكون طبيعياً تجاه الأمور يعني الحفاظ على مركز خاص لا يتم ضمه إلى كل مطلب عابر. يمكنني الاهتمام بهذا الأمر دون أن أصبح هو نفسه. يمكنني تحسين هذا الأمر دون أن أعبده. يمكنني أن أكون قلقاً دون أن يستهلكني القلق. يمكنني المشاركة دون التخلي عن حكمي. يمكنني تغيير رأيي دون إخراج قصة تحول ديني. يمكنني أن أكون غير كامل دون أن أجعل النقص علامتي التجارية. يمكنني أن أكون جاداً دون أن أكون لا يطاق.
شؤون اجتماعيةسيكلوجيا الإنسان

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

كيف يأتي الصديق في المرتبة الثانية بعد الأم؟

ولا يزال الإعلام يقدم العشق على الصداقة.

كيف يأتي الصديق في المرتبة الثانية بعد الأم؟
للأعضاء عام

عن أفضل كبدة تذوّقتها في حياتي

كيف تلتصق الذكريات حتى في رائحة الأكل.

عن أفضل كبدة تذوّقتها في حياتي
للأعضاء عام

لعنة الشيخوخة والفراغ والهجران

عندما يُفسد الإهمال كل شيء

لعنة الشيخوخة والفراغ والهجران