ظاهرة نفخ الشفايف
هل هي طريق مختصر للوصول إلى القبول والحُب؟
كتبت في السابق مقالة عن «ظاهرة انتشار الوشم» التي لاحظتها لدى الأتراك، وحاولت تحليل هذه الظاهرة وأسبابها، كوني – بعيدًا عن الموقف الديني – غير مُحب إطلاقًا لفكرة رسم أي وشم، ولا أراه جميلًا أو مغريًا على النساء والرجال. وما أثار انتباهي هو أن النسبة الطاغية في تركيا، خصوصًا من الذكور، تقوم بعمل الوشم في أجسادها.
ويتكرر هذا الانتباه اليوم مع أمرٍ آخر أصبحت ألاحظه في مكانين لدينا محليًا: الصور الشخصية على لينكد إن، والمطاعم والمقاهي عندما أزورها، وهو أمر يخص النساء عندنا: ظاهرة نفخ الشفاه.
لم ألتقِ برجل واحد يؤمن أن الشفاه المنتفخة صناعيًا من علامات الجمال لدى المرأة، ولا أؤمن كثيرًا بالترقيعة الشهيرة «أنا عملتها لنفسي وليس لأحد آخر». ولأني لم أستطع التعبير عن استغرابي من هذا الأمر، وجدت أن هناك آخرين لفتهم هذا الموضوع، منهم الأخ الصديق خالد خلاوي في تغريدته اليوم (ولو أنها تحمل شيئًا من القسوة)، عندما كتب:
أسوأ من يقيم جمالك هو نفسك .. إجراءات التجميل التي تخطر على بالك كلها غير ضرورية وقد تكون نتائجها كارثية بأن تشوهك أو تمحو شخصيتك؛ لأنها في الحقيقة نتجت عن تخيلك لشخص آخر لا يشبهك .. إذا شعرت بحاجة ماسة لإجراء عملية تجميلية فأنت في الغالب تحتاج أولاً لاستشارة نفسية ..
قبله بثلاث سنوات، كتبت الصديقة العزيزة العنود الزهراني في تدوينتها الخطيرة عن «تأملات حول الهوس بالتجميل عند النساء والرجال»، فقالت:
... لطالما آمنت أن هناك علاقة طردية بين الهوس بالتجميل ووجود اضطراب داخلي نفسي عميق، ولم تقنعني يومًا محاولات تغليف هذا الهوس بدعاوي حب الذات والاهتمام بها، أو حب التغيير والتجديد، أو بناء الثقة بالنفس، فتحقيق هذه الأمور يتطلب أكثر بكثير من مجرد زيارة أو عدة زيارات لعيادة التجميل.
أتحدث تحديدًا عن تحول هذه النزعة الفطرية إلى نمط مضطرب في العلاقة بين الذات والمظهر، واللهث حول تحقيق شكل يرقى لذائقة مؤقتة ودائمة التغير، لهث ناتج في الغالب عن ضغوطات عصر الصورة الذي نعيشه ومحاولاتنا لإيجاد أنفسنا واحتياجاتنا العاطفية فيه، نساءً ورجالاً، صحيح أن النساء يشكلن الغالبية كمستهلكين للإجراءات التجميلية (سواء جراحية أو لا)، إلا أن أعداد الرجال الذين يقومون بذلك أيضًا في تزايد.
حاولت العنود ربما أن تُشير إلى أن الهدف خلف أي عملية تجميل (ومنها نفخ الشفاه) هو محاولة صادقة لكسب المزيد من الحُب؛ حب الزوج أو الحبيب، حب الأهل أو المجتمع، أو إعجاب الغرباء على أقل تقدير. ولدي مشكلتان هُنا، الأولى: أن هذا الطريق وإن كان ذا تأثير حقيقي، فهو مؤقت ومحدود، ولا أراه شخصيًا يعالج ما أشارت إليه العنود:
المشكلة – كما نعرف جميعًا – ليست في الأنف، ولا الخصر، ولا الصدر، المشكلة تكمن في تصورات ذهنية مشوهة تجاه الذات، وهي في الغالب تصورات ناتجة عن خيبات أمل وجروح نفسية عميقة متراكمة على مدى سنوات طوال، لذلك الكثير ممن قالوا “فقط احتاج اظبط هذا”، فقط أحتاج أنفخ هذاك”، يعودون بعدها ليقولوا “هذه المرة سأقوم بهذا أو هذاك”، ليجدوا أنفسهم متورطين في دائرة منهكة من التعديلات اللامنتهية، والسبب هو أن الشعور الذي نعتقد أننا سنحصل عليه بعد التعديل الأول لم يتحقق أو تحقق بشكل مؤقت، فأصبحنا نبحث عنه في تعديل لمكان آخر في الوجه أو الجسم.
والأمر الثاني تقني أكثر، فمن السهل أن يعرف الآخرون أن الشفاه المنفوخة لأي آنسة ليست طبيعية، مثلها مثل حملها لحقيبة مقلّدة، أو قيادة أحد الرجال سيارة فخمة مستأجرة. هي لا تعبر عن الواقع، بقدر ما تعبّر عن محاولة إظهار ما لسنا عليه، وهذا أمر مثير للريبة أكثر منه للإعجاب.
يسلك الناس مسلك «الفشخرة» أو «التنفيخ» بحثًا عن طريق مختصر للقبول، لأن الطرق الأخرى صعبة بالفعل، كأن يكون الإنسان صاحب معشرٍ طيب، وسهل التواصل، وصبورًا مع الآخرين، متسلحًا بالخُلق دائمًا، وببعض التأنق غير الصارخ، والجدية في العمل والحياة.
أسعى اليوم إلى التشجيع على التركيز على هذه القيم والمهارات الفردية، بدلًا من أي وسائل أخرى تُقنعنا بأن أي تغيير في الشكل سيجلب حظوظًا أوفر لنا في هذه الحياة.
النشرة الإخبارية
انضم إلى النشرة الإخبارية لتلقي آخر التحديثات.