تخطى الى المحتوى

ظاهرة الوشم على الأجساد

كيف يعبّر من لا يعرف كيف يعبِّر؟

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
ظاهرة الوشم على الأجساد
Photo by Luis Villasmil / Unsplash

أجلس وحدي في إحدى المقاهي في إسطنبول الصيف الماضي، وأنا أتأمل جميع الزبائن، لأكتشف شيئًا مشتركًا لدى كل الذكور: وجود وُشوم ظاهرة على أجسادهم. وأقول هنا: «كل الجالسين دون استثناء. كلهم»، ولا أعلم بطبيعة الحال عمّا خُفي منها، ولم أتجرأ صراحةً على أن أتأمل أجساد الفتيات، لكي لا أتعرّض للضرب. يبدو من الواضح أن نحت الوُشوم هو إحدى صرعات هذا العصر لدى المجتمعات الغربية على وجه الخصوص، والتي تبنّتها المجتمعات الأكثر محافظة مثل المجتمع التركي، الذي تحوّل – كما رأيت على الأقل – إلى مستهلك كبير لما يقوم به الغربيون، الذين يملكون شيئًا يقولونه للآخرين من خلال رسوماتٍ على أجسادهم، أكثر بكثير مما يُقال شفهيًا. أما في مجتمعنا، فقد أصبح الكثيرون يملكون وشمًا أو وشمين على أجسادهم؛ أعرف أحدهم كان قد وشم كل جسده من أسفل رقبته إلى قدميه!

على ما يبدو أن الصرعة قد وصلت إلينا، وبدأت تنتشر. لن أُلفت النظر اليوم إلى الصفات التعبيرية الشكلية الأخرى، مثل الأقراط اللافتة كبيرة الحجم التي يضعها البعض على أنوفهم وحواجبهم، أو التطرّق لألوان الشعر الفسفورية وقصّاتها الحادة، وذلك لكي لا يشعر القارئ الكريم بأنني أخذته عشر سنوات إلى الوراء في انتقادي، ولكيلا يظهر له أنني نصبت نفسي في خانة الناصح أو الواعظ، فسياقي هنا ليس دينيًا. كما أنني لا أحاول جعل كلامي انتقادًا، بقدر محاولتي لفهم وتحليل هذا السلوك من ناحية نفسية واجتماعية. شخصيًا، لا أتقبّل فكرة الوشم، خصوصًا على النساء، ويعلم المقرّبون أنني أشعر بنوع من الاختناق والغثيان عند رؤيتي له. ومع ذلك، سأقول إنَّ هذا الأمر تفضيلٌ شخصي، وسأتمسّك بحبل التوازن محاولًا الابتعاد عن الانتقاد ما استطعت إليه سبيلاً.

يقوم الواشم بوشم جسده لأحد خمسة أسباب:

  • لكي يُعبّر عن نفسه تجاه أمرٍ ما.
  • ليذكّر نفسه بحدثٍ، أو مناسبة، أو قصة ما.
  • لاعتقاده أن الوشم يُضيف عنصرًا جماليًا لشكله أو لجسده.
  • للإشارة إلى انتمائه إلى مجموعة ما (مثل المنتمين للعصابات).
  • للإشارة إلى تمرّده على أمر ما.
  • وأسباب أخرى (ربما تكون تجميلية).

يشترك في جميع هذه الأسباب عنصر واحد، وهو: التعبير الصريح (Making a statement) من خلال رسم شيء في الجسد، يعلم صاحبه أنه لن يختفي لبقية العُمر. هذا السلوك الجريء، ربما يكون ردة فعل أكثر من كونه حاجة نفسية أصيلة تسعى إلى فهم الآخرين لها وتقبّلها وإعطائها الإحساس بأنها جزءٌ منها، بل ربما هو فرضٌ بالقوة للرأي بشكلٍ بصري عوضًا عن التعبير كتابيًا أو شفهيًا عنه، مع تذكيرهم أن هناك شيئًا فيهم قد يوصل رسالة لم يتم استقبالها في الماضي.

عندما يقوم أحدهم برسم اسم حبيبته أو شكل ابنته المتوفاة على جسده، فهو يقول بلغة أخرى: «أنا حزينٌ على فقدها، ولا أريد أن أنسى أنني حزين، وأريد أيضًا أن أخبرك بحزني من خلال ما تراه في جسدي، شئت ذلك أم أبيت». هذا التعبير الذي يُشير صاحبه إلى تعلق بحدث أو شخصية أو فكرة، لا يرغب – من خلال الوشم – أن ينسى، ولا يُريد أن يتبدّل حاله، ولا يريد أن يتذكّر أن طبيعة الإنسان هي النسيان مهما كانت قسوة الحياة، حتى وإن كان نسيانًا مؤقتًا.

ثُلثا قناعاتي وقراراتي الشخصية الصلبة تبدّلت وتغيرت مع السنين؛ ليس لأنني استيقظت وقررت تبديلها، بل لأن سنة الحياة وحكمة الله هي التي تفرض علينا التطور والتغير، أو كما نُحب أن نُردد دائمًا: الثابت الوحيد هو التغيير. رسم شيء يعبر عن أي شيء من المحتمل أن يتبدّل مع الوقت في جسدي هو شكلٌ من أشكال محاولة إيقاف عقارب الساعة. أصبحت اليوم ذلك الشخص الذي كُنت أطلق عليه النِّكَات قبل سنوات، وأنا نفس الشخص الذي كنت أحارب قناعاته قبل سنين قليلة، ونفس الشخص الذي لم أتخيّل أن ينتهي به المطاف هكذا. وفي حقيقة الأمر فإنني سعيد ومحب وممتن لكل هذه التغييرات (مثل الكثيرين ممن هم في عمري)؛ فالحال – كما قلنا – متغير رغم ما نؤمن به من ثوابت، وإلا لما كان هناك قيمة للنضج على أي حال. الوشم، حتى وإن كانت القناعة خلفه «إضافة عنصر جمالي»، فإن احتمالية الشعور بالندم تجاهه واردة.

من ناحية نفسية، أؤمن دومًا أن العوام من الناس يميلون إلى القرارات الأسهل في حياتهم أكثر من ميلهم إلى القرارات الأصلح؛ فالأخيرة في الغالب تتطلب جهدًا أو مستوى ما من الانضباط؛ يعلم الجميع مثلًا أين تقع مصالحهم خلف قراراتهم، ولكن ليس كل «الجميع» مستعدين لبذل الجهد والانضباط لكي يحققوها. ويظل توازننا يتأرجح بين المصالح والتقصير حتى نقترب أكثر من الموت، وكلما اختار الإنسان الاستقامة في جانبٍ من حياته كلما استقام له ذلك الجانب. آخرون من العوام لا يودون الوقوف على القرارات الأصلح، بل يسعون إلى الطريق الأقصر للإحساس بالرضا.

أتفهّم أن الوشم هو أحد تلك الطرق، ولكن لا أشجّع، ولا أتعاطف، ولا أملك قدرةً للقبول به (شخصيًا)، على الأقل في هذه الفترة من حياتي. فأنا من فئة البشر التي تؤمن بالطرق الطويلة لحل المعضلات النفسية، الطرق الطويلة التي تتحول من طولها إلى طُرقٍ مستدامة تحمل داخلها تغييرًا حقيقيًا لمن أراد التغيير. أميل للاعتقاد أن الاستشفاء والتوازن النفسي لا يأتي دون صبر، ودون تأمل حقيقي للنفس وسلوكها وعواطفها، وقبل ذلك مخاوفها. وأعتقد أن الوشم في أحيانٍ كثيرة هو «رُقعة» لتغطية «شق» من المعضلات النفسية، صغيرة كانت أم كبيرة، وربما يملك القارئ الكريم الحكمة في توليف شكل «الشق» من خلال الأسباب الخمسة التي ذكرناها.

التعبير!

  • لا شيء مثل التعبير المنتظم عن الأحاسيس والأفكار.
  • لا شيء يعادل حجم الصفاء النفسي للإنسان الذي يستطيع أن يُعبّر بانتظام. ومُهمة الإنسان المستمرة هي البحث عن وسيلة للتعبير؛ بعيدًا عن الإيذاء واختيار طُرق للتعبير لا رجعة فيها من الندم.
  • لا شيء يوازي الإقدام على استمرار تربية النفس وتهذيبها ومحاولة الانتباه لها ولما نحاول القيام به، وكأن الإنسان ينظر إلى نفسه في المرآة، وكم هو أمرٌ صعب! إلا أن صعوبته هي ما جعلت منه أمرًا يستحق العناء.

الطرق المختصرة مع الأسف لا تدوم، في حين أن أصعب الأمور تأخذ وقتها لكي تدوم بعدها. كذلك هي النفس التي تتغير وتنمو لتُصبح أفضل. وأخشى أن الوشم ليس وسيلة مثالية للتغير أو الرضا.

سيكلوجيا الإنسان

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

كيف نهرب إلى المكان الخاطئ؟

ونفقد أنفسنا مع هذا الهروب.

للأعضاء عام

ثلاث دوافع للأكل

انتبه من أحدها.

ثلاث دوافع للأكل
للأعضاء عام

عن الفرق بين الابتلاء والتروما وما بينهما

أزمة المصطلحات النفسية التي أخرجتنا من المسؤولية.

عن الفرق بين الابتلاء والتروما وما بينهما