تخطى الى المحتوى

فيضان من المحتوى وجوع المعنى

كيف أصبحنا لا نفكر؟

أحمد حسن مُشرِف
أحمد حسن مُشرِف
فيضان من المحتوى وجوع المعنى
Photo by Rob Hampson / Unsplash

في مقالة (L) الكاتبة الرهيبة مجهولة الهوية، والتي كتبت عنها مستعرضًا مقالتها سابقًَا «عن مأساة أللا تفعل شيئًا بسبب التصفح اللامتناهي»؛ تحاول قبلها التعبير عن نقمها بحال البشر اليوم في مقالة أخرى بعنوان «لا أحد يريد أن يفكر»، وتقول:

التدفق المستمر للدوبامين يمنع الناس من ملاحظة مدى ضآلة ما يمنحهم الشعور بالرضا في حياتهم. منصات البث المباشر، وثقافة المؤثرين، واقتصادات الألعاب، ووسائل التواصل الاجتماعي ليست اتجاهات عشوائية؛ بل هي أحدث البنى التحتية التي أُقيمت لإعادة توجيه الطاقة العقلية للجمهور إلى الأسواق. إن البنية الكاملة للحياة الحديثة تجعل التفكير المستمر أمرًا مرهقًا من الناحيتين الفسيولوجية والعاطفية، وصعبًا، وغير جذاب. تنتج الرأسمالية فرط التحفيز ونقص التحفيز في آن واحد: فيضان من المحتوى، وجوع من المعنى.
...
ولأن الرأسمالية تتطلب التوسع، لا التوازن، فإن هوياتنا ذاتها تُدمج في هذا الاقتصاد. أنت ما تشتريه، وما تتناوله بشراهة، وما تشاهده، وما تستمتع به. أنت تستهلك، إذن أنت موجود. هذا النظام يُدرّبنا على الخلط بين التحفيز والرضا، والراحة والاستقلالية، والإنتاجية والقيمة. في ظل هذا النظام، لا يُثبط التفكير فحسب — بل إنه يتعارض بشكل فعلي مع وتيرة الحياة وغايتها في ظل الرأسمالية المتأخرة. التفكير النقدي يبطئ الدورة الدموية، والتأمل يقطع مسار الاستهلاك. لذا، فإن الترفيه في ظل الرأسمالية ليس مجرد شيء نقوم به بعد العمل؛ بل هو الشيء الذي تعتمد الرأسمالية على قيامنا به بعد العمل. يتحول التسوق إلى تنظيم عاطفي؛ ويتحول الترفيه إلى رفقة… يتدخل السوق في كل مكان تمزق فيه النسيج الاجتماعي. يُعلَّمنا أن نعتقد أن التدفق اللامتناهي للمحتوى هو «وقت فراغنا»، لكن الحقيقة هي أن وقت فراغنا قد صُمم ليبدو وكأنه حرية بينما يعمل في الواقع كوسيلة للسيطرة؛ فثوانيك ودقائقك وساعاتك يتم استغلالها من قبل الـ1٪ لإبقائك منشغلاً بالتفاهات، وبرامج تلفزيون الواقع، ومشاهدات ألعاب الفيديو، والبرامج المضادة للثورة المُخففة التي تتنكر في صورة فكر راديكالي (معركة تلو الأخرى؛ «أطلس يرفع كتفيه»؛ «حكاية الخادمة») لإبقاء عقلك منشغلاً بلا نهاية دون أن يكون يقظًا حقًّا ... ولأن حياتنا في ظل الرأسمالية تستنزفنا بلا نهاية، يصبح الترفيه أسهل وأسرع وسيلة للراحة. لكن هذا هو الفخ بالضبط: فكلما تدهورت ظروفنا الحقيقية، كلما تشبثنا أكثر بالعوالم المصطنعة التي لا يُطلب منا فيها شيء. والتناقض يكمن في أن الترفيه يبدو وكأنه استراحة من الرأسمالية، في حين أنه أحد أقوى أدوات الرأسمالية. فهو يبلد الوعي، بل ويحل أيضًا محل المساحة التي ينبغي أن يتشكل فيها الوعي.

وعن فقد الإنسان إرشاده الذاتي لنفسه طواعية، تقول:

يقرأ الشخص العادي طواعيةً أقل من كتاب واحد في السنة. ولا يعود السبب في ذلك إلى عدم توفر الوقت لدينا: فنحن نقضي ساعات في مشاهدة المحتوى القصير ومسلسلات «نتفليكس» ولعب كل لعبة فيديو. وللتوضيح، أنا لست ضد الترفيه. المشكلة هي أن الاستهلاك هو كل ما تم تكييفنا على الرغبة فيه. تتبنى منصات الإعلام المعاصرة هذا المنطق وتعيد إنتاجه بحيث يصبح لا يقاوم: تصبح حلقات الدوبامين جزءًا من البنية التحتية الجديدة للرأسمالية، وحيث كان التصنيع يُنظم الجسد، فإن «الإقطاع التكنولوجي» ينظم العقل. لم يعد النظام يريد عملك فحسب؛ بل يريد دوافعك، وردود أفعالك الدقيقة، واهتمامك لحظة بلحظة. ولأن كل منصة كبرى مبنية على الإعلانات — وهي أنقى تعبير عن حاجة رأس المال إلى خلق الرغبة — يصبح عقلك الساحة التي تتجلى فيها تناقضات رأس المال. تُكافأ على التحفيز المستمر، لكن تُعاقب على السكون، والملل، والبطء — جميع الحالات التي تسمح فعليًّا بالتفكير. لن يضطر أي شخص أبدًا إلى البقاء وحده مع أفكاره ولو للحظة واحدة: تصفح «تيك توك» في الحمام، وشاهد مقاطع «يوتيوب» التي قمت بتنزيلها في الحافلة، وشاهد التلفاز في غرفة انتظار الطبيب. علاوة على ذلك، في نفس الوقت الذي يشتري فيه عمالقة التكنولوجيا وقتك، يبيعون لك معانيً مُسلَّعة. الصناديق المفاجئة، ومشتريات «شي إن»، وشخصيات الأكشن القابلة للتجميع، وأحذية «جوردان» بكل الألوان، وأغطية أسرة «هاري بوتر»، وأدوات الطهي، والأدوات المكتبية، وأغطية مقاعد المراحيض. كل عنصر يُباع هو تقاطع في الدائرة التي لا تتوقف من الرغبة والتسليع، حيث تُحوَّل الانتباه إلى ربح وتجعل المعنى الشخصي جزءًا لا ينفصل عن الاستهلاك.
...
إلى جانب هوسنا بالسلع — من الصناديق المفاجئة ومشتريات «شي إن» والتماثيل القابلة للتجميع — يأتي الهوس بالثروة المادية. إن نمط الإنتاج الرأسمالي والبنية الاجتماعية الناتجة عنه تجرد البشر من الحس المجتمعي والمعنى، ثم تبيع السلع كبديل عن كليهما. وبالطبع يتشبث الناس بالأشياء المادية — فماذا عساهم أن يبنيوا هويتهم منه غير ذلك؟
وتكمن المفارقة الجدلية في أنه كلما قوض الرأسمالية شروط الحياة ذات المغزى، كلما أقنعتنا أكثر بأن المعنى شيء يمكننا شراؤه. يُقال لنا إن الإشباع يأتي من امتلاك الملابس المناسبة، والأجهزة، والسيارات، والشقق، و«التجارب» — لكن هذا لا يبدو منطقياً إلا في مجتمع تم فيه تدمير الاحتياجات الإنسانية الأساسية بشكل منهجي. يصبح الاستهلاك هو الهوية الوحيدة التي لا تنهار في ظل الهشاشة. والنتيجة هي سكان يحاولون باستمرار شراء الشعور بالواقعية، حتى في الوقت الذي يسرق فيه النظام الظروف التي تجعل الحياة الحقيقية ممكنة. لذا فإن الهوس بالثروة يؤدي إلى ما يمكن أن نسميه «خونة الطبقة»: شباب وشابات غارقون في إمكانية أي شيء عدا عبودية الأجر لدرجة أنهم يضحون بشبابهم ووقتهم وحياتهم من أجل الارتقاء بأنفسهم وأسرهم.

أتوقف قليلًا عند القطعة السابقة، لأعلق على الجملة الأخير؛ هل فعلًا نعاني مما أسمته عبودية الأجر؟ في الحقيقة يتوق معظمنا إلى الحصول على ترقيات وأجور مضاعفة، وهذا بذاته حق مشروع ومرآة للطموح الشخصي، إلا أن تساؤلي حول الأسباب الحقيقية التي تدفعنا إلى هذا السعي. فهل فعلًا نريد أجورًا أعلى لنرتقي قليلًا في حياتنا الشخصية وبالصرف على عوائلنا ومن نحب؟ أو أننا نبحث عن مستوى معيشي (استهلاكي) أعلى دون أن نشعر؟ يخبرك المهاجرون إلى المدن الأخرى والذين ضحوا براحته وقربهم من أهاليهم إلى فكرة «أن لا أحد سيعطيني مثل دخلي الحالي، ولذلك هاجرت إلى مدينة أخرى»، وإن سألته «ما هو الحد الأدنى الذي سيجعلك أكثر هدوءًا وقربًا من راحتك الحقيقية وأهلك؟» على الأغلب سيواجه صعوبة للإجابة عليك.

أعتقد أن فكرة الرفاه الشخصي قد تغيّرت كل معادلاته. فالإنسان الذي كان في السابق يبحث عن القيمة من وجوده في هذه الحياة وعن الأُنس الذي يستطيع إيجاده في علاقاته الشخصية العميقة مع الآخرين وحياته التي اعتاد عليها، أصبح أكثر ميلًا إلى البحث عن الاستهلاك، المغطّى بمفهوم «المستوى المعيشي الأفضل».

أنا من فئة الأشخاص الذين لا يستهينون أبدًا بتأثير المحتوى الذي نستهلكه يوميًا، بل أتجرأ أحيانًا لتبني فكرة أن كل ما نستهلكه من محتوى قد يتحول إلى قناعاتنا اليومية التي نعيش بها، ونتحرّك من خلالها. وحتى نجد السبيل (أولًا) للاقتناع بهذه الفكرة، فإننا نحتاج إلى استيعاب أن حياتنا تحتاج أن تنفصل كليًا عما نراه في كل مكان.

شؤون اجتماعيةسيكلوجيا الإنسانمقالات عن الانتاجية

أحمد حسن مُشرِف Twitter

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. شريك مؤسس في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.

تعليقات


المنشورات ذات الصلة

للأعضاء عام

رحلة الصين

تأملاتي الشخصية من زيارتي الأولى.

رحلة الصين
للأعضاء عام

ثمن الأجنحة

مقالة ضيف.

ثمن الأجنحة
للأعضاء عام

اقتراحات يوليو ٢٠٢٦م

بودكاستات ومقالات.

اقتراحات يوليو ٢٠٢٦م