Month: September 2018

  • عن الفرق بين المودة والحب

    المودة سلوك، والحب مشاعر.

    يستطيع الإنسان أن يكون ودودًا مع الجميع.. في وجود الحب أو دونه.

    لا يمكن للإنسان أن يحب الجميع.

    ولا تشترط المودة وجود الحب.

    أقصد بالحب.. ذلك الشعور الذي يشمل أحاسيسًا أخرى مثل نسيان الوقت برفقة من نحب أو افتقادهم في الأماكن أو اللحظات الجميلة، أو حتى مشاركتهم لحظاتنا الحزينة.

    أقصد به الحماس المرافق للعاطفة الجياشة.

    المودة والرحمة سلوكيات.. نستطيع أن نكون رحماء مع من لا نطيقهم. لكننا بالطبع لا نستطيع أن نُحِب إنسانًا ولا نطيقه في نفس الوقت لفترة!

    نستطيع أن نتعلم ونتبنى المودة، أمّا الحب فلا نستطيع أن نتعلمه، نحن فقط نشعر به.

    المودة حُسن أخلاق، تمامًا مثل الاحترام والتقدير. الحب لا علاقة له بذلك.

    الحب لا يمكن قياسه أو إمساكه، وإن زاد معياره عن الحد سيقود صاحبه لطريق مظلم، ينسى نفسه وقضاياه في الحياة، يقترب أكثر من الاستسلام للوهم.

    المودة إن استمرت في حياة الشخص، تخلق له الحب.. حب الآخرين.

    الحب وسيلة، وليس غاية.

    المودة حاجة وليست ضرورة.

    نستطيع أن نتعايش مع الودود. لكن لا نستطيع أن نتعايش مع من نحب إن لم يكن ودودًا.

  • آلام منسية

    بعد الولادة بساعات، سمعت والدي يقول لوالدتي معلقًا على إرهاق إحدى بنات العائلة «هذي اللي يسموها آلام منسية..». فوالدة الطفل ستنسى بعد فترٍة قصيرة كل الآلام والتعب (والشقا) الذي صرفته من أجل طفلها، بمجرد أن يكبُر قليلًا أو بمجرد رؤية ابتسامته أو مناغاته.

    وفي مثل هذا الأمر تأتي المشكلة الكبيرة والميزة الأكبر في سلوكنا نحن البشر؛ أننا ننسى (وأحيانًا نتناسى) الآلام بعد فترة من ذهابها، ننساها عندما نلتقي صديقًا أو قريب كان قد أضرّنا في يوم من الأيام كُنّا قد اعتدنا رفقته. ننسى الألم تمامًا مثل حالة تأخر طلبات المطاعم، فمع كل دقيقة تأخير يزداد الغضب تجاه موظف التوصيل أو المطعم، ومع كل دقيقة تمُرْ نُفصِّل تهزيئة خاصة للعامل المتأخر وشركته التي لم تُقدِّر جوعنا وانتظارنا، وبمجرد وصوله، نتذكر أننا جائعين وليس هناك داعٍ لأي تعليقات سلبية مطّولة، فالأكل قد حضر.. وألم الانتظار مع الجوع قد اختفى.

    لا أملك أعداء، لكنني بالتأكيد أملك الكثير من المواقف السلبية العالقة في الذهن تجاه الكثير من الأشخاص، ومع أي لقاء غير متوقع مع أحدهم، تختفي الكثير من الآلام والمواقف السلبية. أُضطر لإرجاعها إلى عقلي لأُخطط وأسأل نفسي كيف يجب أن أتعامل مع هذا الإنسان، وغالبًا لا أخرج بشيء من هذا السؤال، أحاول أن أستمتع مؤقتًا بوجود هذا الشخص، وبمجرد اختفاءه، أسترجع الفكرة التي تقول أن علي ألا أنسى.. أقول لنفسي سامحه.. لكن لا إياك أن تنسى. أتخلص من الألم، وأُبقي الذكرى.

    وأعتقد جديًا أن المعادلة الفارقة هنا أننا أحيانًا يجب أن نقرر ألا ننسى، لكيلا يستمر الألم.

    لا يجب أن ننسى تعبنا على مشروع ما، استثمارنا في علاقة ما، استثمارنا في تعليم شخصٍ ما، أو صبرنا على غباء حبيب أو شريكٍ ما. لأن التذكير هنا لا يجعلنا واعيين بتعبنا وآلامنا فحسب، بل يجعلنا واقعيين في التعامل. فإن اخترت ألا أنسى، فإنني ببساطة قررت أن أرحم نفسي من آلام مستقبلية.

    تمامًا كما نتجنب الطلب من المطاعم التي اعتادت على التأخير.

  • السعادة وسيلة وليست غاية

    مفهومي السعادة والحب من أكثر المواضيع التي أناقشها مؤخرًا مع من حولي. وسأكتفي اليوم بذِكر وجهة النظر تجاه مفهوم السعادة.
    أعتقد أن السعادة في مفهومنا المجتمعي ترتبط ارتباطًا وثيق مع امتلاك المال، وقبل اعتراض القارئ العزيز على ذلك، أود أن أطلب منه التكرم والتوقف للحظات وسؤال نفسه: هل إن قمت بتحليل الشخصيات التي حولك وكيفية تحقيق السعادة لديهم، ستجد أنها لا ترتبط بالدرجة الأولى بشيء مادي؟ (امتلاك سيارة أفضل، بيت أفضل، سفريات أكثر إلخ.) أو بمعنى، أنك لكي تكون إنسانًا سعيد، عليك بتطوير شيء ما (مادي على الأغلب) في حياتك، وإلا ستتوقف حاسبة السعادة عن الصعود؛ فكِّر في الأمر.
    يدعو الدكتور ڤيكتور فرانكل (مؤلف الكتاب الشهير رجل يبحث عن المعنى) على البحث عن حياة يستطيع الإنسان فيها أن يجد معنًا لها بدلًا من حرصه على البحث عن السعادة بشكل مجرد. «أنا أعيش لكي أبني أُسرة وأبناء مستقرين نفسيًا وطموحين» هنا يتحقق معنى، «أنا أعيش لأغير حياة من حولي إلى حياة أفضل» هنا يتحقق المعنى. «أنا أعيش لأن رسالتي هي أن أعالج الفقراء والمساكين» هنا يتحقق أيضًا المعنى.
    «المعنى» إن اختزلناه فهو عبارة عن تحقق دائرة التأثير الإيجابي على من حولنا مباشرًة أو على دائرة أكبر في محيطنا. وإن ارتبطت السعادة بنا نحن (في الأنا) سوف لن تستمر بالنمو. ويعني هذا الأمر، أن السعادة لا يمكن ضمان تحققها طيلة الوقت في حياتنا، فهي ككثير من الأمور والمشاعر الأخرى تزداد وتنقص مع الظروف. أما المعنى، فهو يبقى الغاية رغم اختلاف الوسائل.
    السعادة وسيلة لتحقيق المعنى، وليس الغاية.
    مثال: اخترت الكتابة (وسيلة) للتأثير على الآخرين وجعل حياتهم أفضل (غاية ١)، وهي تسعدني رغم إرهاقها من فترة لفترة، وأيضًا اخترتها للتعبير عن أفكاري بشكل أفضل (غاية ٢).
    مثال: أسست تطبيق هاتف ذكي (وسيلة) ليساعد الآخرين بإيجاد أفضل طبيب لهم في المدينة، وذلك لأختصر عليهم الجهد والوقت في البحث (غاية).
    إن وضعتني مثلًا في المثال الثاني (كمطور تطبيقات) فلن أستطيع أن أنجح، وستكون هذه المهمة غاية في الصعوبة وستسبب لي ضغطًا نفسي وكره لحياتي ربما، وعلى الأغلب سوف لن تتحقق غايتي السامية منه. لماذا؟ لأنني لا أجد سعادتي بتطوير التطبيقات على الهواتف الذكية، ولذا اخترت الكتابة.
    عندما نستوعب فكرة أن السعادة وسيلة وليست غاية، سوف نستطيع بسهولة أن نسقطها على حياتنا اليومية دون الاكتراث كثيرًا لمستواها إن ارتفع أو قل، لأنه دومًا سيكون هناك غاية تجعلنا نحتمل ونصبر على ما نقوم به، وقبلها الصبر على مستوى السعادة إن نقص.
    مشكلة عدم وضوح الغاية (أو عدم وجود الطموح أو عدم وجود رسالة في حياة الإنسان) تقوده إلى البحث عن السعادة كغاية، فتجد مثلًا أن أغلب غايات بعض الأبناء المدللين هي الحصول على الأمر المادي الفلاني (السيارة الفلانية، الحذاء الفلاني، المظهر الفلاني إلخ.) وعند عدم حصوله على الأمر الفلاني، قد يشعر بالضيق أو الاكتئاب.
    لماذا؟.. لأن الغاية الأسمى والتي يجب أن يقنع نفسه بها ليس واضحة له كما يجب.
    يعتقد مارك مانسون أن التركيز على الذات في محاولة تحقيق طموحاتها المادية قد لا يشبعها في النهاية، فإن امتلكت منزل، ستريد المنزل الآخر، وإن امتلكت سيارة ستريد السيارة الأخرى. بل ويجد أن الاقتناع بمحاولة تحقيق الطموحات المادية نوع من أنواع المرض الذي يجب معالجته.
    وهنا أقترح الفكرة التي تقول: (مع اتفاقي مع رأي مانسون) أن جهودنا اليومية والذهنية وأعمالنا ستُصرف على شيء ما شئنا أم أبينا، إما على طموحات مادية، أو على طموحات أكبر من ذواتنا تخلق المعنى.
    … باختصار أننا يجب أن نحول التركيز من «الأنا» ليكون تجاه من الآخرين ومحيطنا، وبذلك ستكون غاياتنا أسمى. وبذلك ستتحقق السعادة.

  • لنكن صريحين قليلًا

    قبل سنوات، اتصل علي أحد الأصدقاء العزيزين ليدعوني لخرجةٍ ما. وبمجرد قبولي، وجدت اتصالًا آخر لصديق ثاني (لا تتفق شخصيته كثيرًا مع المُتصِل الأول) كُنت متوقعًا من هذا الاتصال بأن يعرض علي الآخر الذهاب لشرب القهوة معه.

    ترددت للحظات في الرد على الاتصال الثاني؛ فكرت سريعًا بأن أحاول جمعهم الاثنان سويًا (وهو اقتراح أعلم أنه غير موفق)، ليقترح علي عقلي خيارًا آخر بأن أخبر الصديق الثاني بأني مشغول في أمرٍ ما (وهنا … خِفت أن يراني في مكان الخرجة مع الصديق الأول بالصدفة، ويصبح منظري أهبل!)، ثم قدم لي عقلي اقتراحًا ثالث بأن أخبره أنني سأكون غير منشغلًا غدًا ولأشجعه على تأجيلها؛ ولينبهني عقلي بأن «ميانة» هذا الصديق قد تسمح له بسهولة التوجه للسؤال الذي سيلحقه بـ «مشغول في إيه؟» أو «يا أخي أمشي نتقابل ساعة وبكرا نتقابل ثاني». وبعد ترددي لثواني، أُغلِق خط اتصاله، واستمريت أنا في البحث عن إجابة مثالية لن تستفزه أو أن تزعجه على أقل تقدير لأعود إليه بها. ببساطة كُنت حريصًا على مشاعره محاولًا تجنب أي أحاسيس سلبية قد تظهر من هذا الترتيب لخروجي من المنزل!

    قررت بأن أكون صريحًا بشكل مهذب، لأرى ماذا ستكون النتيجة! … عدت للاتصال بالصديق الثاني، وبعد السلام وكما كان متوقعًا، طلب مني الخروج لشرب القهوة معه. وأخبرته ببساطة «سامحني ارتبطت مع صديقي [الأول]، وأعدك في أي يوم آخر بأننا سنخرج». في الحقيقة، تقبّل هذا العزيز ردي بصدرٍ رحب، ليودعني بسلام دون مشاعر سلبية، وليخبرني أنه سيكلم فلان وفلان لعلهم غير منشغلين الآن.

    مثل هذا التحليل الذي دار في رأسي، قد يبدو مألوفًا للكثيرين، وحرصنا على مشاعر الآخرين وتجنب السلبية التي في مخيلتنا تجبرنا غالبًا على التهرب من الصراحة (ولا أقول هنا نية الكذِب) حتى وإن كانت على حساب أنفسنا.. وهذا الأمر معروف، ولكن!

    إن أخبرتك أن «الصراحة» قيمة مهمة وستجعلك وتجعل الكثيرين يعيشون حياًة أفضل، ربما ستهز رأسك الكريم بالموافقة على هذه الفكرة، وعند أول مطب يتطلب منك قليلًا من الصراحة، سوف لن تأخذها بالجدية التي تجعلك حتى اللحظة تقرأ هذه الكلمات. [أقول هذا الأمر بصراحة لك]. ولكن أين مربط الفرس؟

    تحدث الصحفي (أي. جي. جيكوبس) في مقالته التي نُشرت عام ٢٠٠٧م بعنوان «I think you are fat» عن لقاءه المثير للجدل مع الطبيب النفساني «د. براد بلانتون» الذي أصدر كتابه المعروف Radical Honesty أو «الصراحة المطلقة». وكيف أن الأخير شجعه بكل السُبل أن يعيش حياته مع الآخرين أيًا كانوا (حرفيًا أيًا كانوا في المكانة أو المنصب أو القرابة) بصراحة مطلقة دون الاكتراث لمشاعرهم أو للتوابع التي قد تحصل لهم جرّاء هذه الصراحة. فإن كان هناك شيء ما تريد أن تقوله لمديرك، أخبره مباشرًة. يزعجك أي شيء في صديقك، أخبره على الفور. كذلك مع زميل العمل، كذلك مع الزوجة. بل أن المنهج الذي تبناه الدكتور بلانتون متطرف قليلًا للدرجة التي شجع فيها الصحفي بإخبار إحدى الآنسات في حياته بأنها مرغوبة منه (ولعل القارئ اللبيب يفهم مقصدي هنا).

    ويشير جيكوبس لموقف حصل معه مع أحد الأطفال عندما أخبره أن أسنانه صفراء وقبيحة، ليعلق بدوره «ها قد أخذت بعضًا من الصراحة المُطلقة من طفل» ليشير بهذا الأمر أن الإنسان يتربى على الصراحة المطلقة منذ طفولته، لتُقنن في وقتٍ لاحق عندما يكبر مراعاة للتوابع ولمشاعر الآخرين. فليس من مصلحة المراهق مثلًا أن يخبر والديه أنه لم يمسك أيًا من كتبه، ليختصر على نفسه وجع الراس بـ«خلاص ذاكرت».

    تبنى الصحفي مفهوم الصراحة المُطلقة في حياته، والتي تحولت مثل حياة الدكتور بلانتون إلى حياة شديدة الصراحة والوضوح مع الكل دون استثناء، رافقها بالطبع الكثير من ردات الفعل السلبية التي أجبر نفسه على تحملها والتعايش معها. ويملك الأخير الكثير من الحجج التي تقنع الشخص الجديد على تطبيق هذا المفهوم، إلا أنني أختزل أهمها: بأنك عندما تخبر إنسانًا ما عن شيء يخصه -سلبي كان أم إيجابي- سيقود الطرف الآخر لا شعوريًا بالرد عليك بنفس الصراحة. فإن قلت لصديق ما مثلًا: أنني لم أرتح له أبدًا عندما التقيته في المرة الأولى بسبب لباسه أو هيأته، ستجد عقله مباشرة يعمل ليخرج عيب أو نقطة سلبية ضدي يوم لقاءنا الأول، ومثل هذا التبادل للصراحات بالنسبة للدكتور بلانتون يعتبر أمرًا صحي للغاية، فلا يوجد بعد هذا الاعتراف ماضي سلبي غير معلن يخص اللقاء الأول، وقس على ذلك.

    شخصيًا، كنت أعتبر نفسي إلى حدٍ كبير ووقت طويل من الشخصيات التي تبالغ في مجاملتها للآخرين، والسبب ببساطة أنني إنسان عاطفي إلى حدٍ كبير (أو كنت كذلك)، ولن تحمسني فكرة استقبال صراحات جارحة طيلة الوقت من قِبل الآخرين، فبالتالي كنت أعاملهم على هذا الأساس، ناهيك عن اعتقادي الجازم أن استمرار المجاملة وتبنيها في حياتنا يعتبر أحد أهم أشكال الذكاء الاجتماعي.

    ولا أخفي سرًا، بأن نظرتي تغيرت تمامًا لهذا الأمر بعد قراءة مقالة جيكوبس. وأصبحت فجأة مقتنع بأن الصراحة أمر لا يجب أن يُدارى عليه على من حولي في كل الظروف، فالمجاملة المبالغ فيها قد تصبح مع الوقت -في رأي البعض- نوع من النفاق الاجتماعي أكثر من كونه ذكاء. وبالتأكيد أفضّل أن أكون صريحًا للغاية أكثر من كوني إنسان منافق!

    ما كان يخيفني بعد هذه القناعة الجديدة هو كيفية وآلية تطبيق مفهوم الدكتور بلانتون «الصراحة المطلقة في أي وقت وتحت أي سماء»، لأستوعب أمرين من هذا الخوف: ١. أن التبعات من الصراحة المطلقة خطيرة للغاية، خصوصًا في مجتمع عاطفي كمجتمعنا. ٢. أنني لا أستطيع شخصيًا تحمل نتائجها إن كانت بهذا التطرف الذي يدعو له الدكتور بلانتون.

    ولذا خرجت بعد الاقتناع بأهمية تطبيق مفهوم الصراحة بعِدة قناعات جديدة أدعي تطبيقها في حياتي الآن وهي:

    • أن الطاقة المستنزفة من الصراحة مع الآخرين أقل بكثير من استنزاف طاقة المجاملة المبالغ بها رغم وجود التبعات التي قد تكون قاسية.
    • هناك فرق بين الصراحة وبين قلة الأدب. ولعلي هنا أتبنى رأي بلانتون الذي يفيد بأننا يجب أن نركز على أسلوب قول الصراحة وقول الحقيقة بشكل مهذب، أكثر من التركيز على عدم قولها تمامًا.
    • الصراحة تُقال للأشخاص الذين يطلبوها منّا.
    • الصراحة تُقال (بأي أسلوب إن استدعى الأمر) إن جاءت على حساب أنفسنا ولو قليلًا.
    • [tweet_dis]الصراحة لا تُقال لأشخاص في قراراتهم المحسومة. كالذي اشترى سيارة بنصف مليون ريال لم يعجبني لونها[/tweet_dis]، فهنا لن تقدم ولن تأخر صراحتي.
    • محاولة تقبّل الصراحة من الآخرين، والتدرب عليها … وأقول بشكل جدي، التدرب عليها!

    ولعلي أختم بقصة من القصص التي لم أستطع أن أديرها بشكل حكيم (حصلت قبل سنوات طويلة، عندما كنت أقل وعيًا وأكثر طيشًا)، وهي عندما اتصل علي أحد الأشخاص، ليسألني عن فلان الذي خطب أخته، وإن كان رجل صالح أو طالح من وجهة نظري. لأخبره بكل صراحة، أنني أعرفه حق المعرفة، وهو إنسان لا أقبل حتى على عاملتنا المنزلية الكريمة بتزويجها له. ليشكرني على رأيي الصريح، ويقفل الخط. دون أن أسأله عن جديتهم وعن محسومية هذا الزواج. لأفاجئ بأنهم قد زوجوه. وتقريبًا، قاطعتني العائلتين بعدها. أو ربما اتخذوا موقفًا تجاهي.

    وهنا أضيف أن الصراحة أيضًا لا يجب أن تدخل في أي زيجة إن كنت مستشارًا لها في المستقبل!

  • لماذا لا يجب أن تقاطع أصدقاء الطفولة؟

    كتبت في أحد الأيام مقالة (تهكمية) بعنوان «لماذا يجب أن تقاطع أصدقاء المدرسة؟». وإن كانت تتقاطع مع مقالة اليوم، إلا أنها بالتأكيد بشكل من الأشكال مُكملة من الزاوية التي سأتحدث عنها الآن …

    في نقاشي الأخير مع أخي العزيز فهد صواف، شاركني برأي مفاده أن الميزة الأولى وغير المُعلنة لأصدقاء الطفولة، أنهم يذكروك بأصلك وحالتك التي كُنت عليها لفترات طويلة قبل أن تصل إلى ما وصلت إليه. «سيذكرك صديق الطفولة والمراهقة أنك أخذت مفتاح سيارته لتنام فيها، لأن والدك قد طردك يومها من البيت» يعلق فهد «وسيستطيع بسرعة إيقافك عند حدك، عندما تقوم بأي محاولات عنطزة أو فرد لريشك».

    كحالة الأم، فهي لا تهتم إن أصبح ابنها وزيرًا أو سفير أو ملياردير أو شحات، فهي تراه ابنها فقط. وتأتي الحالة الموازية هنا -ربما- في صديق الطفولة الذي لن يتغير عنك (وهو يتوقع منك هذا السلوك) مهما ازادت ثروتك أو انخفضت مكانتك. فهو يراك صديق قديم يستحق المعاشرة وكفى.

    من الأسباب التي تجعل الآخرين يطمئنون لك هو عند استيعابهم أنك وفلانًا من الناس أصدقاء منذ أكثر من عشرين سنة. فيُظهِر لهم هذا الأمر الحقيقة التي تقول إنك إنسان «عِشَري» من الطراز الأول. وإن كُنت من صٌناع الخوابير في حياتك، فبالتأكيد صديقك فلان القديم كان أول من سيلبسها ليبتعد عنك. ويُناقِض هذه الحالة؛ حالة بعض أصدقاء الطفولة الذين يحرصون على تغيير «طقم» الأصدقاء من فترة لأخرة، فتجدهم مع كل مصلحة وكل موجة تغيير، يعصف بأصدقائه؛ لأنه أصبح يشعر بالارتياح أكثر مع طقم (الصحون) الجديد ليأكل منه.

    ورغم وجود سلبية صغيرة في قضية أصدقاء الطفولة وهي أنهم قد لا يستوعبون حجم التطور الذي قد وصلت له، إلا أن الشق الآخر من المعادلة، أن هذا التطور لن يكون سببًا حقيقي ليعزز مكانتك عندهم أو ينقصها. فكما [tweet_dis]يقول المثل الشعبي «مغني الحارة لا يُطرِب» فصديق الطفولة قد لا تستهويني فلسفاته وأفكاره المتطورة والحديثة علي.[/tweet_dis]

    الكثير من أقاربي وأصدقائي المقربين لم يقرأوا أيًا من كُتبي ومعظم مقالاتي، لأنهم ببساطة يعتقدون أنهم يعرفون ماذا أريد أن أقول ولسان حالهم سيردد «يعني أيش حيجيب شي جديد غير اللي عرفناه عنه؟!» وبالطبع لا بأس بذلك من وجهة نظري، فمغني العائلة والطفولة لن يطرب، ويبقى الحِس الإنساني هو الغالب وهو المطلوب.

    ولعل الفيلسوف «إبيكور» عندما اكتشف سر السعادة منذ ثلاثة آلاف سنة بقوله فيما معناه «أن أقصى درجات السعادة، هي قضاء الوقت مع صديق قديم (بغض النظر عن الظروف والمكان المحيط)». هو خلاصة ما أريد الإشارة إليه.

  • نحن لا نبحث عن خيارات من النصيحة

    … أو كما يقول الدكتور آدام جرانت: «عندما نبحث عن نصيحة، نادرًا ما نريد أن نسمع خيارات لنختار منها. ففي الحقيقة نحن نبحث عن طُرق تساعدنا على اتخاذ القرار. النصيحة الأفضل هي التي لا تخبرنا بشكل دقيق ماذا يجب علينا أن نفعل، بل هي التي تظهر النقاط العمياء في تفكيرنا، وهي التي تساعدنا على توضيح أولوياتنا.»

    «النقاط العمياء» هي كل شيء في هذا الاقتباس.

    والبحث عن النصيحة وإقحام مستشار ما في حياتنا (حتى الشخصية والعاطفية منها) تتركز مهمته؛ في كشف النقاط العمياء في التفكير، دون الاكتراث لما نشعر به.

Back to top button