Month: December 2020

  • نحارب لأجل ما نرغب به وليس ما نحتاجه

    تأمل نفسك والآخرين، ستجد أن هذا الأمر بالغ الدقة. استوعبه نابليون منذ مئتي عام، ووظف هذا السلوك لخدمته، وخرج بمقولته الشهيرة «يحارب الرجل لرغباته أكثر من احتياجاته».

    يصرف الأمريكيين على تذاكر اليانصيب أكثر من صرفهم على الكتب والأفلام والمباريات والمسارح مجتمعين، حسب تعليق مورگان هوسل في كتابه «سيكولوجيا المال»، ٤١٢ دولار متوسط قيمة تذاكر اليانصيب الذي يشتريها الفرد الأمريكي (من ذوي الدخل المحدود) سنويًا، هو نفس المبلغ الذي يُنصح بتوفيره على جنب كتكلفة علاج الطوارئ.

    أربعين في المئة من الأمريكيين لا يملكون هذا المبلغ وقت الطوارئ. لكن يملكونه من أجل رغبتهم للحصول على فرصة «واحد من مليون» للفوز باليانصيب.

    نملك الذهن والوقت لكل شيء لا نحتاجه.

    نملك طاقة لا بأس بها للمجاملة، ولا نثابر من أجل من نحتاجهم حولنا.

    نملك المال من أجل رغباتنا، وعندما نحتاجه نقترض.

    نتطور مع هذه الرغبات ونبررها، تختلط الأمور، نعتقد أن الرغبات حاجة. نستيقظ في أحد الأيام ونراجع ما قمنا به، ونكتشف أننا لم نكن حكماء بما يكفي.

    مثلي عندما ذهبت لسوبر ماركت «كوستكو» قبل يومين. ثلثي الفاتورة كانت رغبات. ثلثي الفاتورة كان سببها أنني زرت المكان وأنا جائع.

    جوع الغرائز والعواطف يجعلنا أقل حكمة، عندما نُشبع أنفسنا وحاجاتنا وأحبابنا ووقتنا الثمين وشكلنا أمام المرآة سوف لن ننشغل بما نرغب، سوف نكتفي بما نحتاج.

  • نحن لا نريد أن نكون أقوياء طيلة الوقت

    كنت سابقًا أتحسس كثيرًا عندما تقوم والدتي بإعداد الإفطار أو القهوة لي أو عندما تخدمني في أي شيء. والدتي ولا أريد أن أُتعبها! اكتشفت مع الوقت أنني فهمت الموضوع بشكل خاطئ، الأمر ببساطة يشعرها بالسعادة، والدليل إصرارها المستميت لذلك. هي لا تقوم بنفس الفعل مع الآخرين، فقط مع أبنائها. ونحن الأبناء في المقابل لسنا «عويلين»، نعرف كيف نعد القهوة والإفطار وأشياء كثيرة.

    أن نتصالح مع فكرة أننا لسنا أقوياء طيلة الوقت أمر جيد، وأن نتصالح مع فكرة أنه لا بأس في قبول الخدمة والدلال دون تحسس كان غريبًا علي.

    هناك أصناف من البشر لا تعرف كيف تستقبل الدلال ولا تقبل – حتى مؤقتًا – الاعتراف أنهم في حاجة له.

    المرأة المستقلة قوية، لكنها لا تريد أن تكون قوية طيلة الوقت.

    الرجل قوي، لكنه يُفضل أن يُعامل مثل الأطفال.

    طبيعة البشر تجبرهم على استبدال الأدوار من وقت لآخر، تارة نعطي وأخرى نستقبل. نشعر بالقوة والمسؤولية في أوقات، ونستجلب الضعف والهوان والدلال. المسألة ليست عضلات، المسألة حاجات ورغبات مختلفة في أوقات مختلفة.

    عندما تعطي الأنثى لقمة الطعام لفم شريكها، هي لا تريد أن تخبره أنه ضعيف ولا يعرف كيف يأكل بنفسه، هي تريد أن تخبره أنها تشعر بالحنان تجاهه، وهو يقبلها لأنه يرغب بهذا الإحساس اللطيف.. الدلال.

    حاجتنا لإحساس عدم القوة مثل حاجتنا لأحاسيس كثيرة، تعطينا -نحن الرجال على وجه الخصوص- استراحات لمعارك كثيرة، فنحن لا نريد أن نكون أقوياء طيلة الوقت. ولا يجب.

    نحن نريد أن نكون ضعفاء بإرادتنا.

    وإن كان الضعف سيجلب بعض الدلال، فأهلاً وسهلاً.

  • التمرين: في الفنون

    قبل الدخول في التمرين، هنا مقالتين نشرتها خارج مدونتي، ستستحق اطلاعك.

    التمرين:

    1. استقرارك المالي أولاً، فنك ثانيًا، لن يصبح الثاني أولاً دون أن يكون الأول أولاً.
    2. ألا تفعل شيء أسوء من عمل نصف مكتمل.
    3. عكس العمل الرائع ليس السيء، بل العمل الجيد. تحتاج للكثير من العمل السيء.
    4. الكسل والخوف، لا يوجد سبب ثالث يمنعك.
    5. بهدوء، كل يوم. لا يوجد طريق مختصر.
    6. عمل سيء أفضل من لا شيء (مرة أخرى: لا تخف).
    7. ابدأ ثم انتظر الإلهام.
    8. لا تكترث للانتقاد، دائمًا هناك فائض منه سيطولك.
    9. الروتين الروتين الروتين.
    10. ما تشعر به، وليس ما يطلبه المستمعون.

    كان الله في عون الجميع.

  • عن الفقد

    كُنت أتعاطف مع كل إنسان عانى من الفقد، حتى جاء يوم ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠م.

    هبطت طائرتي في مطار واشنطن دالاس قادمًا من مدينة فورت لودارديل. من المفترض أن أمكث أربع ساعات في انتظار رحلتي التالية إلى جدة. والدي في العناية المركزة وتحت التخدير الكامل للتنفس الصناعي بعد أن عانى التهابًا في الرئة من فايروس كورونا لأسابيع.

    هكذا فجأة، تصبح الحياة سريعة تجاه القاع. وتذكرنا أن الباقِ وجهه الكريم.

    إنسان صحي متكامل فخور باعتنائه بنفسه وعدم احتياجه لعكاز.. إلى تخدير كامل، وكأنه لم يكن قبلها بأسبوعين يناقشني مناقشة مطولة عن موعد عودتي إلى جدة لنخطط سوية لإجازة الصيف القادمة بعد أن قررت السلطات فتح الأجواء عمّا قريب، لأطلب منه أن يمهلني يومين لأعود له بخطة كاملة برسالة واتساب. رسالة أُرسِلت له، لم تلقى الرد.

    يعلم بعض القراء المقرّبين أنني لا أميل أبدًا إلى ذكر تفاصيل حياتي الخاصة التي قد لا تُضيف لهم الكثير، إلا أنني اليوم أرغب بهذا الاستثناء.

    أنا أصغر إخوتي. هذا الامتياز أعطى والداي مساحة من التعامل معي بشكل أكثر ودية، ربما بسبب فارق العمر وبسبب قدومي كأخ لأخي الأكبر إياد وأربع أخوات، ووربما لطبيعة التربية كسلوك يتجنب من خلاله الآباء الكثير من الأخطاء والشدة مع الأبناء الأصغر ليعيشوا حياة أكثر مرونة وسعادة رغم قُصر فترة العِشرة، فأنا مع كتابة هذه السطور أبلغ من العُمر أربع وثلاثين عامًا؛ وإن خُير الإنسان بين حياة قصيرة مليئة بالحب والطفولة الرائعة وبين حياة طويلة صعبة، لربما سيكون الخيار الأول هو الدافع الأكبر للاستمرار في هذه الحياة وحيدًا دون أب باطمئنان وتوازن.

    يقول البعض أنني أخذت الكثير من صفات والدي الشخصية، وحتى وقتٍ قريب لا يميز الكثيرين بين أصواتنا على الهاتف. بالنسبة لي، شخصيته أقرب ما تكون إلى شخصية روائية، فهو إنسان شاعري من الطراز الأول، مليء بمغامرات السفر، يحب الجميع ويحبونه، وكان شديد الوسامة والتأنق معظم فترات حياته، حتى إن إحدى أخوالي خشيَ على والدتي من هذا الأمر عندما تقدم لخطبتها قبل ستين عامًا.

    كان كثيرًا ما يتهكم على الكِبار في السن وعلى فكرة أن الإنسان عاش أيامًا طيبة مع الطيبين، فهو دائمًا ما يرى أن الحاضر والمستقبل أجمل، والتطور كنمط حياة أفضل من تعاسة الماضي. يخاف من الموت ليس لتقصيره في هذه الحياة، بل لولعه بثروته التي امتلكها حسب وصفه.. ثروته من أبناء وأحفاد وأحباب.

    في المطار، وأنا واقف أنتظر العفش وأتابع المستجدات في حالته على الواتساب مع رسائل العمل من هنا وهناك، جاء الخبر من أخي وهو يكتب في قروب الواتساب عبارات مليئة بالأخطاء الإملائية، اعتقدت أن دموعه لم تعطه القدرة على التركيز.

    عندما يكون الإنسان في وسط الظلام والألم، لا يملك خيارًا سوى البحث عن بعض فتحات الضوء، وهنا حكمة الله في قوله «إن مع العسر يسرا..».

    بحثت عن هذا الضوء تاركًا الشنط المحملة بالهدايا والطلبات تأخذ لفتها التاسعة في ممر العفش. وأخبرت نفسي: لا بأس، أمامك أربع ساعات لوحدك، تستطيع أن تبكي وتئن كما تشاء، لن يقاطعك أحد، والمطار شبه ميت بسبب الظروف. وقد استوعبت بعد أن انتهيت أن الأغبياء وحدهم هم من يمنعون الآخرين من البكاء، رغم مقاومتي المستميتة للفكرة القديمة التي تقول: الرجال لا يبكون، فقط النساء والأطفال.

    اكتشفت أمرين غريبين عندما تأملت تلك اللحظات، الأول أن هناك مسافرين حولي والرسائل متدفقة بالتعازي والنِكات ومقاطع أهداف الدوري السعودي، والسماء مازالت زرقاء وما زال المايكروفون يصدع بصوته مع فراغ الصدى في كل أنحاء المطار وأمامي أم تطلب لابنتها شيئًا ما من المقهى، اكتشفت رغم صِغر العالم من ازدحام الحزن واللاقيمة لهذه الحياة مع هذا الخبر، أنها مستمرة!

    وسألت نفسي سؤالًا غريب وأنا جالسًا متأملًا الأرض بعد أن أشغلت نفسي بتحميل العفش، أليس هناك حُضن يُباع هنا؟ أو من يتبرع به دون أن أطلب؟

    استوعبت أن الإنسان شديد الحاجة لمن حوله، زعلت مؤقتًا لمن يسوقون فكرة أن تهتم بنفسك وتسعى لإرضائها دون الاكتراث لأي شيء آخر وأن الوِحدة شيء جميل ولا يجب أن نفرط به، استوعبت أكثر من أي وقت أن المواساة والأحضان والأحباب قيمتهم لا تقدّر بثمن، طلبت بيني وبين نفسي أن يقترب سُكان الكرة الأرضية ليكونوا معي ويقفون بجانبي. وتذكرت بعدها بأيام أن الاهتمام سيكون أحد القيم التي لا يجب أن تُفارقني.

    مضت الساعات، وجربت فيها إحساس عدم الإحساس. بدأ موظف المطار بمجادلتي حول أربع كيلوهات زائدة لرحلتي إلى جدة، أعطيته بطاقتي الائتمانية وأخبرته أن يأخذ ما يشاء منها ويتركني في حالي مع خبر وفاة والدي قبل لحظات، ليخبرني أنه آسف على هذه الخسارة ولكن النظام نظام وسيقتطع المقسوم من البطاقة.

    سارت كل الأمور على ما يُرام، مضت الأيام، وها أنا أسعى أن أُعيد ما تبقى من الأمل والطمأنينة والتوازن. وها أنا أُشغِل القارئ الكريم بمقالتي الأولى بعد انقطاعي الأطول عن الكتابة.

    آخر الأمر، أنني فخور به رحمة الله عليه، فخور به حتى بعد رحيله. ترك وصية من ثمان صفحات تعج بالحِكمة، وترك كلمات واسى بها نفسه، لربما تواسي غيره. أُشارك بها هنا.

    وما بعد الأمر الأخير.. أرجو أن تهتم بصدق بأحبابك.


    مناجاة …

    إلهي ذاك عمري ينقضي … وتلك حياتي تلملم الأذيالا

    أمسح عن عمري حب الحياة … والشوق إلى لقاءك يشدني والرضوانا

    ربيع عمري لم يعد زهرة وأفنانا … قلبي يخشع لجلال وجهك والمقلتان

    كم عاصيًا هديت … وتائبًا استقبلته بالغفرانا

    برحمته يا إلهي … أُفيض عليَ بالإحسان إحسانا

    حسرتي لماضٍ تولى … أندى من بسمة الإيمانا

    أي عُذرٍ أُقدمه مولاي … وأنت الغفور الرحيم سيد الأكوانَ

    تتهادى خُطى مسيرتي … على نعش من مساحيق الأردانَ

    يلفني الثرى في صمتٍ … ووحشة وعُقدة اللسانَ

    من لي سواك راحمًا … أرجوه في غمضة الأجفانَ

    ووحدة القبر … ولقاء المكانَ

    إلهي..!

    كيف حالي يوم ألقاكَ..

    وصدى العمر صدأ من ذنوب الزمانَ

    وتعرّى الجسم والقلبُ في سكون الندمانَ

    ذاك جسدي يُكفنه الصمت … ويُلقى به إلى النسيانَ

    فراق بلا وداع … وعهدي بك اللهمَ إنك الرؤوف.. الرحمن.. الرحيم.. العفو.. المنانَ

    – حسن

Back to top button