شؤون اجتماعية

الدسدسة

تمت دعوة أحد أصدقائي مع عائلته للإفطار عند أحد أعمامه المحافظين أول أيام العيد، وعندما وصل إلى بيته والذي كان عبارة عن شقتين مفتوحة على بعضهما في أحد العمائر .. دق جرس الباب … لم يفتح له أحد، وقد اعتاد هذا الصديق  الدخول تلقائياً إلى الجهة اليُمنى من البيت قاصداً صالون الرجال، لتتجه زوجته وأبنائه الصغار إلى الجهة الداخلية من البيت والتي خُصصت أحد غُرفها الكبيرة لتكون صالوناً آخر يجتمع فيه كل نساء العائلة كما جرت العادة كل عام.

عندما وصل إلى صالون الرجال … وجد أنه كان مكتظ بنساء غُرباء على سفرة إفطار ليكتشف في ثوانٍ أنهم ليسوا من أقاربه، وتفاجئ من صراخهم «من أنت؟ ..  ومن أين أتيت وكيف دخلت؟». ليرُد .. «المعذرة المعذرة … أنا أبحث عن عمي فُلان وهنا صالون الرجال كما أعتقد!».

اكتشف الصديق العزيز أنه دخل على منزل أحد الغرباء المستأجرين لبيت عمه، والذي لم يخبره (ولم يخبر باقي الأُسرة أنه انتقل إلى منزل جديد أكبر في حي آخر). لينتهي به الأمر بنداء زوجته للخروج، والتي لم تجد بدورها الأخرى أحداً في القسم الداخلي من البيت.

ما حصل مع صديقنا كان مفاجأة -لم أكف من الضحك عندما سمعت تفاصيلها-، وعلمت أن عمه الكريم كان من أشد الأشخاص الذين حرصوا على مُداراة أمورهم بالسر والكتمان للدرجة التي جعلته يُخبئ أو «يُدسدس» خبر انتقاله للبيت الجديد حرصاً على تجنب أي مجال للحسد والعين تجاهه، وبالتالي نسي إخبار إبن أخيه وربما بعض أفراد الأسرة الآخرين أنه انتقل إلى منزله الجديد منذ أكثر من عام.

لا يوجد أي شاهد حقيقي بصراحة من القصة، ولكن من الأجدر في رأيي بعد الاستماع إليها لفت النظر إلى أن المبالغات والأوهام التي يعيشها معظمنا تجاه العين والحسد وأي أمور قد تُعطل فرحتنا، لا تستحق موقفاً مضحك كالذي حصل مع صديقنا. ولو أنني أعلم يقيناً أن مفهوم «الدسدسة» والذي طال أموراً أتفه وربما أكثر طبيعية لدى مجتمعاتنا المحافظة؛ كالحمل والورث والخُطبة كان يمكن استغلالها بمشاركة فرحتها مع الاخرين. وإن كان هناك طرف آخر من المعادلة -سأسميهم مريضين نفسياً- يعيشون نظرة الحسد أو الغُبن عندما تتطور حياة الآخرين بشكل أفضل، فلا يمكننا في المقابل تغييرهم أو السيطرة على مشاعرهم والتحكم بها، وهنا قد أفضل طردهم من حياتنا على الأقل دون التعايش معهم مستخدمين «الدسدسة» في كل صغيرة وكبيرة.

الحياة أقصر مما تبدو عليها! …

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
زر الذهاب إلى الأعلى