شؤون اجتماعية

يا أخي لا تعمم!

أجدني أتفق تماماً مع تغريدات الأخ الكريم مالك نجر.

حكيت أمس لصديقي عُمر موقفين تافهة حصلت معي .. الموقف الأول كان عند وقوفي في إحدى إشارات المرور، وعندما اخضرت الإشارة تحركت السيارات لأتفاجئ بأن جميع خطوط السير توقفت فجأة بشكل مباغت، جعلت معظم السيارات تكاد تصطدم ببعضها، وسبب التوقف أن أحد السائقين في المقدمة كان قد قرر الاتجاه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ليأخذ يوتيرن.

الموقف الثاني يتكرر مئات المرات كل يوم في أحد «يوتيرنات طريق الملك» عندما يحاول الكثير من السائقين عمل نفس الموضوع بالانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار للحاق بأحد اليوتيرنات الشهيرة في ذلك الطريق، مما يولد خطورة كبيرة على السائقين الذين يسيرون في طريق مستقيم. لا ألوم ١٠٠٪ هؤلاء السائقين بل ألوم المسبب الأكبر وهي الجهة المشرفة على تنسيق طريق الملك، وجميع التنسيقات الغريبة في بقية الشوارع.

شاهدي من هذين الموقفين أن الأول كان خطأ السائق الذي يعكس بكل صراحة ثقافة القيادة الموجودة لدينا، والموقف الثاني الذي يعكس الحقيقة التي يعرفها معظم سكان جدة حول السوء الواضح لدى بعض الإدارات المشرفة على تنسيق الشوارع.

وعندما يقول قائل «يا أخي لا تعمم، ليس كل السائقين سيئين في جدة!» سأقول استشهاداً بتغريدات الأخ مالك، أن الموضوع عندما يتكرر بشكل شبه يومي في عدة مواقف مختلفة ومواضيع وحالات مختلفة حتى يُصبح «ظاهرة» سيكون من غير إجحاف أن من حق المراقب أن يُعمم.

عندما تحدث الكثيرين من الأفراد عبر قنوات التواصل الاجتماعي عن مصير شهداء حادثة تركيا الغاشمة الأخيرة في المطعم، للدرجة التي جعلت بعض الدعاة مثل سلمان العودة والمغامسي يخرجون للعامة ليدعونهم إلى التروي عن صدور الأحكام، وجدت أن الأمر ربما يستحق أيضاً بالنسبة للمراقب أن يقول بأن هناك سلوك معروف لدينا وهو إطلاق الأحكام على الآخرين. ليعكس أمراً جذري تربى داخل نسبة كبيرة من المجتمع وهو «شغف إطلاق الأحكام تحت أي ظرف دون الاكتراث للمشاعر». دون أن أتناسى أيضاً قبل عدة أشهر تجربة الآنسات المشاركات في معرض السيارات، والذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بسبب أخذهم لصور في قسم معرض أودي بشكل وجده الأغلبية الساحقة خادشاً للحياء.

السلوكيات التي أصبحت «ظاهرة منتشرة» تستحق للأسف التعميم، وربما لا يحتاج «المُعمم» أن يأتيه شخص ما ليبرر أن الجميع لا يتمتعون بهذه الظاهرة .. تماماً كمن يقول «السعوديون يلبسون الشماغ والعقال» ليأتي آخر ويرد «يا أخي لا تعمم .. ليس كل السعوديين!».

ظاهرة القيادة المجنونة مثلاِ تستحق التعميم علينا (وأنا أحدهم)، وظاهرة الحكم ومراقبة شؤون الآخرين وإطلاق الأحكام عليهم تستحق التعميم، وظاهرة سوء إدارة بعض التنسيقات (مثل موضوع تنسيق الطرق) يستحق أن يُطلق عليه الآخر تعميمياً – لا أجده مجحف- بأن المشرفين على التنسيق ليسوا جيدين في عملهم، لأنك ستجد ببساطة أن ٩ من ١٠ أشخاص سيعلقون نفس التعليقات السلبية.

خلال الستة أشهر الماضية قمت باستإجار وقيادة السيارة في عدة مُدن خارج المملكة لفترات متفرقة تجاوزت الأربعين يوم، ولم أجد ولو لمرة واحدة -دون مبالغة- مشاهدتي لأحد الموقف المذكورة أعلاه على الطريق. مما يجعلني دون شك لا أستطيع أن أقول أن المدينة الفلانية سائقيها مجانين، وفي نفس الوقت لا أستطيع أن أقول بمنطق تغريدة أخي مالك «أن الجميع محترفين في القيادة ١٠٠٪»، الظاهرة في المجتمع تحسم أمر التعميم حتى في الإيجابيات.

علقت إحدى أخواتي منذ فترة على مقالة منشورة (كان كاتب المقالة يُهاجم بعض المتشددين في حِرمان المجتمع من التمتع بالحياة، ليقول في مقالته أن هذا التشدد هو الذي جعل السعوديين المتوفيين في حادثة اسطنبول يسافرون من أجل البحث عن مُتع الحياة) وكان تعليق أختي: أن الأوروبيين والأمريكيين يسافرون أيضاً، وليس لكاتب المقالة حجة حقيقية. وفي الحقيقة كان تعليقي بعد عدة دقائق من التفيكر أن سفر هؤلاء الأجانب من ديارهم إلى الخارج للاستكشاف والترفيه لا يدعمه نفس المحرك الذي يجعل السعودي -متوسط الحالة المادية مثلاً- يحرص على السفر في كل مناسبة، مما يؤكد أن سفر السعوديين خلال العقود الأخيرة وحتى اليوم إلى الخارج عند كل إجازة هو عبارة عن ظاهرة اجتماعية واضحة للعيان، والسبب والمحرك معروفان وهو البحث عن المزيد من المساحات في الترفيه (وشم الهواء) بعيداً عن بعض التشدد هُنا في المجتمع.

والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه … هل يُسافر السعوديين إلى الخارج كل إجازة؟ والإجابة هي «نعم».

وسيأتي إلي شخص يعلق «يا أخي لا تعمم … أنا ما سافرت هذه الإجازة!».

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
زر الذهاب إلى الأعلى