قصة قصيرة: صاحب المحفظة الفخمة وتاجر الخُضار

هذه المقالة اقتباس من كتابي القادم والذي سيُصدر في وقت ما في ٢٠١٨.


عندما كُنت أعمل في أحد البنوك سابقاً، قام بزيارتي في يوم من الأيام أحد العملاء لتوقف حسابه البنكي بسبب عدم تحديثه لبياناته.

كان يغلب على الرجل اهتمامه الشديد بهندامه، أذكر جيداً أنني عندما طلبت منه بطاقة هويته للبدأ في التحديث، أخرج محفظة من أفخم الماركات مليئة بالبطاقات البنكية. حسابات مع بنكنا وحسابات في بنوك أخرى. اعتدلت في جلستي خشية أن يكون صاحب هذا الحساب أحد عملاء الخدمات الخاصة (ذات الأرصدة المرتفعة). أول ما لفت نظري أن رصيده لم يكن يتجاوز بضعة آلاف، وعند شروعي بالأسئلة التي تخص التحديث والمطلوبة من مؤسسة النقد (أين تعمل؟ كم راتبك؟ هل يوجد مصادر دخل مختلفة لك؟ أين تسكن إلخ.) تفاجئت أن الرجل إنزعج بشدة من أسئلتي، وتوقف تماماً عن الإجابة عليها. حاولت إقناعه أن هذه الأسئلة لا تخصني بصفة شخصية، بل إنني أقابل يومياً عشرات العملاء دون أن أُفرِق أو أذكر أسمائهم ومناصبهم لأحكم عليهم من الأساس. على كل حال، استمر إصرار الأخ الكريم على الرفض بالإفصاح، مما استدعاني للشكوى إلى مدير الفرع الذي أتى بدوره محاولاً إقناع العميل الكريم بضرورة الإجابة على أسئلتي؛ وإلا لن تتم إجراءات التحديث.

خجِل الرجل .. وأخبرني أنه يعمل مدير مكتب لأحد رؤساء الأقسام في أحد الشركات المعروف. بالطبع لا يوجد أيُ عيب في ذلك! لكنني استشعرت من إجابته الخجولة أنه لم يكن يُريد الإفصاح عن منصبه الذي لم يكن يعكس هندامه بالغ الأناقة وبطاقاته البنكية الكثيرة، بل أذكر أنه قال لي بدايةً أن وظيفتي «مدير» لكنه لم يذكر أنه «مدير مكتب»!.

على كل حال، كان راتبه لم يتجاوز خمسة آلاف ريال، وبالكاد ذكر هذه المعلومة التي لا تهم أي شخص في البنك ولا تهمني أبداً، بقدر أهمية الإفصاح عنها من أجل قاعدة بيانات البنك تجاه عملاءها.

كان تفكير الرجل حرفياً في وادي ومطالباتي بالإفصاح في وادٍ آخر.

أتفهم اليوم حرص هذا الرجل على إظهار صورة لا تعكس حقيقته. وأجد أن سلوكه ما هو إلا محاكاة للكثيرين منّا في المجتمع، ولعل منصبه الذي يستدعي التواصل المستمر مع مدراء ورجال أعمال وشخصيات مهمة من أجل مديره المباشر قد ساهم بالتأثير على مشاعره الداخلية، التي تخبره أنه مثلهم وربما أكثر أهمية منهم.

لم يستطع حرصه على ممارسة هذا الاستحقاق للأهمية حتى خارج دائرة عمله نسيانه أنه مجرد موظف، ونسي أيضاً أننا مجرد موظفين نريد أن ننتهي من الدوام لنعود إلى غداء البيت أو الشيشة.

وكم أتمنى أن لا يكون هذا الرجل ممارساً لهذا السلوك حتى مع أصدقائه، الذين سيكيلون له بوابل من «المحشات» والاستهتار، مما يزيد الطين بلة على نفسيته المتضاربة، ويجعله يمارس مثل هذا التحذلق مع الغريبين عنه للتعويض عن النقص الذي كان يشعر به (كما كان في حالته معي).

أذكر عميلاً آخر، كان كلما ذُكر إسم شخصية مهمة قفز ليخبرني أنه يعرفه أو تعشى معه في يوم من الأيام، وأخبرني أكثر من عشرة مرات في عملية لم تتجاوز  ساعة؛ أنه رفض العديد من المناصب (ذكرها واحداً واحداً)، بل أنني قاطعته وسألته عن شهادته لأسجلها في نظام البنك، ليخبرني على الفور «دكتوراة … لكن للأسف انسحبت قبل انتهاء رسالتي منها!».

قصة تاجر الخضار باختصار كانت العكس تماماً. رجل خمسيني متواضع جداً في هندامه، أخرج لي إثباته – غير السعودي – من كيس بلاسيتك وهو مُطبّق (*). لا أذكر نوع العملية التي أتى من أجلها، إلا أنني أذكر تماماً أنه لم يكن يقرأ أو يكتب، ولم يكن يملك توقيع، ليكتفي بالبصمة فقط لإتمام معاملاته البنكية. تفاجئت عند دخولي لحسابه أنه «عميل خدمات خاصة» بل أنني استغربت بدايةً أنه لم يذهب لقسم الخدمات البنكية الخاصة من الأساس لأكتشف أنه لا يعلم الفرق أصلاً، ولم يكن يحرص على هذا الفرق على أيٍ حال!

كان هذا الرجل الكريم يملك بضعة ملايين، وعند سؤالي له عن عمله، أخبرني أنه تاجر خضروات وفواكه في الحَلَقة (سوق الخضار) وأنه يملك العديد من الثلاجات التي يؤجرها ويتاجر من خلالها مع تُجار آخرين.

أتممت خدمته وودعني بعدها بحرارة وترك في نفسي القليل من الذهول. خصوصاً أن توقيت زيارته لم يكن بعيداً عن الأخ الكريم مدير المكتب والدكتور الذي خانه الحظ.


(*) كانت هوية غير السعوديين سابقاً تشبه جواز السفر، ويمكن تطبيقها تطبيقتين إن كانت شديدة الاهتراء.